متابعة – منصة السودان –
أثار مقال كتبه وزير الإعلام السابق د. ياسر يوسف عن ليلة السادس من أبريل ليلة سقوط حكومة الإنقاذ بقيادة المشير عمر البشير، الكثير من الجدل وسط المتهمين والناشطين لما حواه من معلومات اعتبرها البعض محاولة لإخفاء بعض الحقائق مثلما أشار ذلك الصحفي عبدالماجد عبدالحميد وبين من اعتبرها مجافية للحقيقة فيما يتعلق ببيت الضيافة وهو ما أشار إلى ذلك أحد ضباط حرس الرئاسي عائد أبوجنان الذي فند رواية ياسر فيما يتعلق تغيير الحرس.
وقال عبدالمجد: سطر الأخ الوزير ياسر يوسف كلمات على جدار ذكرى بداية أيام الثورة المصنوعة التي أطاحت دولة الإنقاذ، كنت أتوقع أن يكتب الوزير ياسر يوسف شهادته بطريقة أكثر جرأة ووضوحاً، إذ لم يبقَ في العمر ما يكفي لإخفاء أسرار وأسماء رجال كانوا وراء خيانة السقوط.
وأشار إلى أن د. ياسر يوسف قال إنه يحتفظ بأسماء الرجال الذين وجدهم متحلقين حول الرئيس البشير ببيت الضيافة، والذي دخله العزيز ياسر بعد وساطات ومهاتفات سمحت له وللوفد المرافق له بزيارة البشير، لأن الحراسات التي كانت تحرسه بالقيادة العامة تمّ تغييرها ونقل تعليماتها إلى جهة أخرى سكت عنها العزيز ياسر يوسف.
وأضاف “مما قال د. ياسر يوسف إنه يحتفظ به أيضاً ما ذكره الفريق صلاح قوش في تنويره الشفهي للرئيس البشير في ذلك اليوم عن سير الأحداث في البلاد عامة ومحيط القيادة العامة خاصة، ما سيذكره التاريخ غداً أخي ياسر يوسف أن الذين شاركوا في مؤامرة خيانة الإنقاذ قد حاقت بهم الندامة وشربوا من كأس الحنظل الذي ظنوا أن مورده سيكون عذباً في مقبل الأيام، لا تحتفظ بأسرارك يا أخي هذا أوان البوح بتفاصيل الحكاية الحزينة من الألف إلى الياء”.
بينما قال العقيد عائد أبو جنان أحد ضباط حراسة البشير إنه لم يطلع على ما كتبه ياسر ولكن حسب ما اوضحه عبد الماجد مؤكد أن ياسر لم يصدق القول على الأقل فيما يلينا كحرس رئاسي بدليل أنا من امرت بإيصاله بعربتي الخاصة لوجهته بعد تلك الزيارة التي ذكرها وأنا من الحرس القديم وهذا يدحض قوله هذا، ونمسك ما نعلمه حتى يحين وقته ولا صوت يعلو فوق صوت معركة الكرامة.
وكتب ياسر يوسف مقالا تحت عنوان “6 أبريل.. هل كان يمكن تفادي ما حدث” قائلا: في مثل هذا اليوم من العام 2019 وبعد صلاة الظهر بقليل قابلنا السيد الرئيس عمر البشير في مقر إقامته بالقيادة العامة رفقة عدد من الأحباب (أحتفظ بأسمائهم).
في الحقيقة وجدنا صعوبة في الدخول إلى المنزل علي الرغم من مرافقتنا لشخصية رفيعة، وذلك بسبب أن بروتوكولات التأمين حول المطار ، القيادة العامة ومنزل الرئيس قد جري تغييرها ، وحتي حين جاء المرحوم اللواء ياسر بشير مدير مكتب الرئيس حيث كنا في البوابة الخاصة الملتصقة بالمطار الرئاسي رفض العساكر الذين كلفوا بحراستها تنفيذ تعليماته بالسماح لنا بالدخول، إلا حين اتصل بلواء آخر مكلف بهذه المهمة ، جاء ذلك اللواء وتشاور مع المرحوم اللواء ياسر بشير قبل أن يسمح لعربتنا بالدخول.
كانت الملاحظة الأولي في بيت الضيافة هي رائحة البمبان القوية ، وعلمنا من سعادة اللواء أن المتظاهرين إقتحموا منزل الرئيس مما اضطرهم لإستخدام ذلك البمبان.
دخلنا علي السيد الرئيس في الصالون الرئيسي ، كان يلبس جلابية ناصعة البياض وطاقية فقط ، بدا هادئا ومبتسما ( لعله لاحظ توترنا فأراد امتصاصه ببعض القفشات) ، بعد قليل دخل علينا في تلك الجلسة الفريق أول صلاح قوش مدير جهاز الأمن ، والذي قدم تقريرا شفاهيا للرئيس عما حدث (أحتفظ بما قاله) ، وبناء علي ذلك طلب الرئيس استدعاء الفريق أول عوض بن عوف والفريق أول كمال عبد المعروف ، في انتظار حضورهما خرجنا مع الفريق صلاح قوش إلى فناء المنزل ودار بيننا حديث لتقييم ما حدث، وأتذكر أننا اختلفنا مع تقييمه لما حدث ، حيث كنا نري أن هذه الخطوة خطيرة جدا ولها ما بعدها ، (أحتفظ كذلك بتفاصيل الحوار)، في وقتنا تلك حضر ابن عوف وكمال ودخلا علي الرئيس بينما استأذنا للمغادرة.
بغض النظر عن تفاصيل الأيام الأخيرة ، كانت الإنقاذ تعاني من ثلاث مشاكل ، كل واحدة منها كفيلة بإسقاطها ، الأولي كانت داخلية وهي الإنهاك المستمر الذي لازم الصف القيادي فيها والذي نتج من معاركة التحديات الداخلية والخارجية لفترة طويلة حتي بلغ منهم الجهد كله بالإضافة إلى تأثير الخلافات الداخلية والتي استحكمت في أحهزتها الحزبية والخاصة وصار تأثيرها مميتا بعد أحداث 2013 ، وعلي الرغم من تبني وثيقة الإصلاح الشامل والتغيير الواسع الذي تم في ذلك الوقت ولكن من الواضح أن الفتق كان قد اتسع بما لا يمكن رتقه بالمعالجات الإعتيادية.
الثانية كانت المخططات الخارجية والتي لم تتوقف منذ بداية الإنقاذ ولكنها في السنوات التي أعقبت ما عرف بالربيع العربي انتقلت من الخارج البعيد إلى الخارج الإقليمي القريب المسنود بالموارد المالية الهائلة والمتوجس من أي تجربة ذات خلفية إسلامية، ونجح الخارج في الوصول لأماكن محصنة في قلب ( النظام ) مما كان له بالغ الأثر في زرع الشكوك، ونزع الثقة، وإثارة الغبائن، ومن ثم إثارة الرأي العام وتهيئته.
الثالثة كانت استغلال الأزمات الاقتصادية التي كان بعضها مزمنا مقيما وبعضها مصنوعا حديثا، فتم توظيف كل التجربة المتراكمة لمعارضة الإنقاذ والعمل علي توحيد تيارات المعارضة حول هدف محدد وهو ( تسقط بس)، والذي لم تنتبه له الإنقاذ أن العمل وسط (المجتمع المدني) والشباب عبر التشبيك واستغلال وسائل التواصل الاجتماعي بصورة سياسية كان مستمرا وبصورة مركزة بعد فشل أحداث 2013 ، وبينما كانت أجهزة الحزب ومنظماته الفئوية والجماهيرية تتحول كل يوم إلي أجهزة بيروقراطية علي حساب رسالتيها وعمقها الجماهيري كان السخط المصنوع بدقة يتسلل وسط الجماهير.
علي كل وعلي الرغم من أن المتظاهرين ما كان لهم أن يصلوا إلى مقر القيادة العامة دون وجود النقطتين الأولي والثانية كان من الصعب استمرار ( النظام ) بتلك الطريقة، والفرصة التي أضعناها كسودانيين هي أنه كان في أيدينا أن نحقق انتقالا سلسا يحفظ البلاد ويحقق رغبة كثيرين في تحول ديمقراطي حقيقي.
شيئين أختم بهما، وهما في نظري من الأهمية لو نفذت لتغيرت الأحداث، الأول لو أن أجهزة الحكومة (الرئاسة والبرلمان) إتفقا علي إلغاء التعديلات الدستورية التي كان يناقشها البرلمان في في خطاب الرئيس في فبراير ولم يتفقا علي أن يكون رفضها حين القراءة الثالثة ليبدو البرلمان وكأنه قام بدوره كاملا ، هل كان سيغير الأحداث؟
لو أن المهندس عمر الدقير استقبل الرئيس البشير في منزله بعد إطلاق سراحه من المعتقل ولم يعتذر (بلطف) وقبل عرض الرئاسة بتولي رئاسة الوزراء التي ذهبت للمرحوم إيلا بعد ذلك، هل كان سيغير من الأحداث شيئا