منصة السودان الاخبارية
معك في كل مكان

الشهيد عارف عبدالله أسطورة الشجاعة التي لا تغيب

بقلم – لينا هاشم

 حينما تصمت الألسن في حضرة المواقف الكبرى، تتحدث الدماء التي روت تراب الوطن، وتكتب سيرة أبطالٍ لم يبالوا بالردى في سبيل أن يحيا الآخرون بسلام ، إن الحديث عن الشهيد ( عارف عبد الله ) ليس حديثاً عن غياب، بل هو توثيق لميلادٍ جديد في ذاكرة الأمة، وتجسيد لمعنى الشجاعة في أبهى صورها

     لم تكن شجاعة الشهيد ( عارف ) يوماً تهوراً، بل كانت إيماناً راسخاً بقضية عادلة ، ففي اللحظات التي يمكن أن تتراجع فيها الخطى، كان هو يتقدم بقلبٍ ثابت، واضعاً روحه على كفه، ومستنداً إلى عقيدة وطنية وإنسانية لا تقبل المساومة ، لقد اختار الطريق الأصعب، مدركاً أن ثمن الحرية والكرامة غالٍ، فدفعه بكل رضا وفخر ، لم تكن شجاعته تقتصر على حمله للسلاح أو ذوده عن حياض الوطن فحسب، بل تجلت في وعيه العميق بأهمية “الكلمة” فقد كان نموذجاً فريداً للقائد الميداني الذي يدرك أن المعركة لا تُدار بالذخيرة فقط، بل بالحقائق التي يجب أن تصل إلى الرأي العام، فكان خير سندٍ للإعلاميين حتى وهو في خطوط النار الأمامية ، لم نلجأ له يوما لأخذ معلومة الا وتفاعل وتعاون ووفر ما نطلب من معلومات حقيقية ، وكان يقتطع من وقته الثمين لتسهيل مهامنا وإمدادنا بالمعلومات الدقيقة، وتذليل العقبات أمامنا ، لم يكن يرى في الإعلام عبئاً، بل كان يراه شريكاً في المصير، وجسرًا يربط بين تضحيات المقاتلين وصمود الشعب ، فكان يمنحنا الصورة الحقيقية للواقع الميداني بكل تجرد، بعيداً عن التهويل، إيماناً منه بأن المصداقية هي أقوى سلاح في وجه الشائعات

     الشهيد ( عارف ) اصيب خلال معارك تحرير القصر الرئاسي فنصحه البعض للسفر للعلاج بالخارج فرفض وعندما اشتدت عليه جراحه اضطر للسفر مجبرا ولم يكمل علاجه وعاد للميدان مره اخري ، لم تمنعه جراحه ولم يثنِ الألم عزيمته عن مواصلة القتال ، إنها قصة “العين التي ظلت ترقب الميدان” واليد التي قبضت على الجمر حتى النفس الأخير ، ففي اللحظة التي يُصاب فيها الجسد، تميل النفس البشرية عادةً إلى الانكفاء والبحث عن النجاة، لكن الشهيد ( عارف ) كسر هذه القاعدة فبينما كانت دماؤه تنزف، كانت بصيرته تزداد وضوحاً، فرفض الانسحاب من موقعه، مصراً على أن يظل صمام الأمان لرفاقه ، لقد أثبت أن القوة الحقيقية لا تكمن في الجسد السليم، بل في الروح التي لا تُقهر فجسد بموقفه معنى “الثبات حتى النصر أو الشهادة”، محولاً وجعه الشخصي إلى طاقة دفع للمقاتلين من حوله ، لحق بأخوانه في سهول كردفان وقال كلمته الواضحة لن أعود الا والبلد محررة تماما أو شهيدا

      خلف البدلة العسكرية كان ( عارف )إنساناً، يحب الحياة، وله عائلة وأحلام، لكنه آمن أن هناك ما هو أغلى من النفس. هذه “الإنسانية” هي التي تجعل من شجاعته قيمة مقدسة لأنه وهب أغلى ما يملك من أجل الوطن والمواطن

    لم تكن دماءه التي خضبت الميدان مجرد خسارة، بل كانت مداداً كُتبت به أروع صفحات الفداء ، فالقتال وهو مصاب ليس مجرد شجاعة انفعالية، بل هو قرار واعي من إنسان آمن بأن وجوده في الميدان، حتى وهو مثقل بالجراح، يمثل حائط صدٍ منيعاً أمام مليشيا الدعم السريع والمرتزقة والمتربصين بالوطن ، ستبقى تلك اللحظات التي قضاها الشهيد في الميدان وهو مصاب، محفورة في ذاكرة رفاقه وفي سجلات البطولة ، إنها العين التي رفضت ان تغمض إلا بعد أن اطمأنت على العهد ، والقلب الذي لم يتوقف نبضه إلا بعد أن أدى الأمانة كاملة غير منقوصة

    نال عارف ما تمني في قلب الجبال بعد أن اقترن اسمه بالشجاعة والاقدام في هبيلا ، وكرتالا ، والتكمة ، وكادوقلي ، والدلنج ، ليبقي ذكره حاضرا في ميادين البطولة وقلوب الرجال ، ورحل بجسده، لكنه ترك خلفه درساً قاسياً لكل من يظن أن السلاح وحده هو ما يصنع الفارق ، لقد علمنا ( عارف ) أن الإرادة هي السلاح الأقوى وأن المقاتل الحقيقي هو من يرى في جراحه وساماً يحفزه على الصمود، لا عذراً للتراجع ، إن رحيل عارف ورفاقه الذين جادوا بأغلى ما يملكون في سبيل الوطن والمواطن يترك غصة في القلوب، لكن عزاءنا الوحيد هو إرثهم العظيم الذي سيظل نبراساً ينير دروب الأجيال القادمة ، لقد وفوا بعهدهم، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، فاستحقوا الخلود في الذاكرة وفي جنات الخلد بإذن الله ، صبر الله قلوب ذويهم ورفاق دربهم، وجعل دماءهم الطاهرة سبباً في أمن وسلامة البلاد والعباد.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.