بقلم – ا. محمد سنهوري الفكي الامين
حين تصمت المدافع وتضع الحرب أوزارها، تشرئب الأعناق نحو الرافعات العملاقة التي تعيد تشييد ما تهدم من طوب وحجر، وتتسابق الخطط الاقتصادية لإعادة رصف الطرق وترميم الجسور الحيوية، لكن ثمة دماراً خفياً لا تراه الأعين المجردة ولا ترصده ميزانيات الإعمار التقليدية، دماراً يسكن في الزوايا المعتمة من الروح الإنسانية، حيث لا تنفع الخرسانة المسلحة ولا يجدي الطلاء الزاهي. إنها “الحرب” التي لم تكتفِ بهدم الجدران المادية، بل توغلت في أعماق الوجدان السوداني، محولةً السكينة الفطرية إلى قلق مقيم، والأمان الوجودي إلى خوف ينهش في تفاصيل الحياة اليومية ، إن إعادة إعمار الإنسان، وبناء دواخله ومعانيه قبل مبانيه ومؤسساته وجامعاته ومشافيه ونواديه ومصانعه ، ليست مجرد ترف فكري أو تزيين لغوي، بل هي الضرورة القصوى والشرط الأساسي لاستعادة الحياة في معناها الحقيقي، فما قيمة المدن الباذخة إذا سكنها أناس محطمون من الداخل غير قادرين علي الانتاج والإبداع والابتكار ، يحملون في صدورهم ركاماً أثقل من ركام البيوت؟
لقد أثبت علماء النفس عبر التاريخ أن الحروب تترك ندوباً غائرة تتجاوز الجروح الجسدية بمراحل؛ فالعالم النمساوي فيكتور فرانكل، الذي صهرته تجربة المعتقلات القاسية، أكد في نظريته حول “العلاج بالمعنى” أن الإنسان قادر على تجاوز أعتى الصدمات إذا وجد معنىً سامياً لمعاناته ، وفي الحالة السودانية المعقدة، نجد أن الحرب قد استهدفت “مركز المعنى” لدى الفرد؛ فالبيت في الوجدان السوداني ليس مجرد سقف وجدران، بل هو “الحرم” و”اللمة والجيران ولاهل ” و”الستر” ورمز الكرامة ، وحين يفقد السوداني بيته قسراً، فإنه يفقد جزءاً جوهرياً من هويته وتاريخه الشخصي، مما يدخله في حالة من “الاغتراب النفسي” الحاد والشك في قيم التضامن التي كانت تشكل صمام أمان المجتمع ، هذا التدمير الممنهج للنفوس أنتج ما يسميه علماء النفس “اضطراب ما بعد الصدمة المركب”، حيث يمتزج فقدان الممتلكات والعمل والأمان بفقدان الثقة في الآخر، مما يهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي الذي ظل متماسكاً لقرون طويلة أمام المحن.
إن ضرورة إعادة إعمار الوجدان تنبع من حقيقة علمية مفادها أن “الإنسان المصدوم” يرى العالم من خلال عدسة مشوهة بالخوف والارتياب، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة إنتاج العنف في دورات لا تنتهي إذا لم يتم التعامل مع هذه الجراح بحكمة وعلم. يقول سيغموند فرويد إن الحروب تطلق العنان لغريزة الموت التي تكمن في الأعماق، ولا يمكن كبحها إلا بتعزيز غريزة الحياة والبناء ، لذا، فإن التعافي النفسي الحقيقي يبدأ من “هندسة المعاني”؛ أي إعادة صياغة الرواية الوطنية السودانية لتكون قائمة على الكرامة والعدالة النفسية، والاعتراف بالجروح الجمعية بدلاً من إنكارها أو القفز فوقها. إننا بحاجة ماسة إلى “مساحات آمنة” للتفريغ النفسي، حيث يمكن للناجين أن يحكوا قصصهم ويحولوا آلامهم الصامتة إلى طاقة إبداعية وبنائية قادرة على تغيير الواقع.
طرق التعافي النفسي في السودان يجب أن تكون مبتكرة وتستلهم من عبقرية المجتمع نفسه وتاريخه في الصمود؛ فالتكافل السوداني الأصيل، أو ما يعرف بـ “النفير”، يمكن أن يتحول اليوم من آلية للبناء المادي إلى آلية جبارة للدعم النفسي الجمعي ، إن الفن، والموسيقى، والكتابة، ليست مجرد أدوات للترفيه في أوقات السلم، بل هي “مشارط جراحية” نفسية قادرة على استئصال أورام الحزن واليأس من القلوب المثقلة ، كما أن دور رجال الدين في بث الأمل والرضا سيكون له عظيم الأثر في التخفيف من حدة الصدمة وكذلك دور المختصين النفسيين يجب أن يتجاوز جدران العيادات الضيقة ليكون جزءاً أصيلاً من لجان التخطيط لإعادة الإعمار، بحيث يتم تصميم المبادرات المجتمعية لتكون “صديقة للنفس”، تعيد للفرد إحساسه المفقود بالسيطرة على حياته وبالأمل في مستقبله ، إن بناء “دواخل الإنسان” يعني إعادة زرع الثقة والأمل في أن الغد ممكن، وأن النور يخرج دوماً من شقوق الجراح الأكثر إيلاماً، كما تنبت الزهور من شقوق الصخر.
إن السودان الذي ننشده ونحلم به ليس مجرد خارطة جغرافية صماء أو ناطحات سحاب زجاجية، بل هو إنسان معافى نفسياً، يمتلك القدرة على الحب والعمل والإبداع رغم كل ما جرى من فظائع ، إن المعاني السامية هي التي تمنح للمباني روحها وجدواها، والوجدان المعمر بالإيمان والجمال هو الضمانة الوحيدة لعدم العودة إلى مربع الدمار والخراب مرة أخرى ، فليكن شعارنا في المرحلة المقبلة: “نبني الإنسان لنضمن بقاء الأوطان”، ولنثق يقيناً بأن الروح السودانية، التي صمدت أمام أعاصير التاريخ، قادرة اليوم على اجتراح معجزة التعافي والنهوض من وسط الرماد، محملةً بأمل لا ينكسر ويقين بأن فجر الحرية والسلام والعدالة المنشود قد دنا، وان الأعمار سيطال المعاني قبل المباني .