غادة علي محمد
ينطلق الدكتور عبد الله عيسى البطيان في حكاياته وسوالفه من قناعة راسخة بأن التراث ليس ماضيًا يُستعاد، بل حياة تُروى من جديد.
يرى الدكتور عبد الله عيسى البطيان أن الحكاية والسالفة ليستا مجرد سردٍ للتسلية، بل وعاءٌ للذاكرة الجمعية، ووسيلة فنية لحفظ التراث وإعادة تقديمه بروح معاصرة دون أن يفقد أصالته أو صدقه الإنساني.
أولًا: الحكاية بوصفها ذاكرة حيّة
في رؤية البطيان، تمثل الحكايات الشعبية والسوالف القديمة سجلًا شفهيًا لحياة الناس: عاداتهم، مخاوفهم، قيمهم، وعلاقتهم بالمكان والزمان. لذا فهو يتعامل معها باعتبارها مادة ثقافية حيّة، لا تراثًا جامدًا، قابلة لإعادة الصياغة الأدبية دون تشويه جوهرها.
ثانيًا: المزج بين التراث والأدب الحديث
يحرص البطيان على تقديم الحكاية التراثية بأسلوب أدبي وفني حديث، من خلال:
لغة سلسة قريبة من المتلقي، تحافظ على روح اللهجة دون الوقوع في فجاجتها.
تكثيف سردي يجعل الحكاية قصيرة لكنها مشحونة بالدلالة.
بناء فني واعٍ يعتمد الرمز والإيحاء بدل الشرح المباشر.
وهنا تتحول “السالفة” من حكاية تُروى إلى نص أدبي يحمل بعدًا جماليًا وفكريًا.
ثالثًا: البعد الإنساني في الحكايات
لا ينشغل البطيان بالحدث وحده، بل بما وراءه من أسئلة إنسانية:
الخوف، الفقد، الحكمة الشعبية، علاقة الإنسان بالمكان، وبالزمن، وبالآخر.
فالتراث عنده ليس حنينًا للماضي، بل مرآة للحاضر، وأداة لفهم الإنسان في كل زمان.
رابعًا: مقاومة النسيان والتهميش
تنطلق رؤية البطيان من قناعة بأن التراث الشفهي مهدد بالنسيان في عصر السرعة والتكنولوجيا، لذلك تأتي حكاياته وسوالفه كنوع من المقاومة الثقافية الهادئة، التي تحفظ الهوية دون شعارات، وتُعيد الاعتبار للحكي كفن أصيل.
خامسًا: جمالية البساطة والصدق
يتجنب البطيان الزخرفة اللغوية المفرطة، مؤمنًا بأن صدق الحكاية وجمالها الداخلي أهم من بهرجة الأسلوب. فالقيمة الفنية، في نظره، تنبع من قدرة النص على لمس القارئ وإشراكه وجدانيًا.
ففي نصوص مثل «هل كبرنا على والدينا» و*«حلم نعيمة تحقق»* و*«سدد وقارب»*، تتحول السالفة الشعبية إلى بناء أدبي مكثف، يحمل حكمة الناس البسطاء، ويطرح أسئلة إنسانية عميقة بلغة قريبة وشفافة. بهذه الرؤية، يعيد البطيان للحكاية دورها بوصفها ذاكرة حيّة، وفنًا سرديًا قادرًا على لمس القارئ وربط الماضي بواقعه المعاصر.