بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي
في هذه الساعات من يوم السبت 20 ديسمبر 2025م، تشهد ولاية الجزيرة ولأول مرة ورشة قانونية متخصصة تُقام على أرض الواقع وفي مكان الوجع الحقيقي، تنظمها إدارة مشروع الجزيرة بالتعاون مع وزارة العدل – الإدارة القانونية بمشروع الجزيرة، تحت رعاية المهندس إبراهيم مصطفى مدير إدارة المشروع، وبمشاركة وتشريف وزير العدل الأستاذ عبد الله محمد درف.
وتأتي هذه الورشة لمناقشة القوانين واللوائح التي تنظم العمل داخل مشروع الجزيرة، وهي مناسبة عظيمة تستحق الترحيب والإشادة، لما تمثله من خطوة جادة نحو معالجة الاختلالات التشريعية التي ظل يعاني منها المشروع لعقود طويلة.
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نحيّي الجهود الكبيرة التي يقودها مدير إدارة مشروع الجزيرة المهندس إبراهيم مصطفى، ابن هذا المشروع، الذي نجده يعمل بهمة ونشاط في كل الاتجاهات من أجل رفعته وإعادة إعمارِه، برؤية عملية ومسؤولية وطنية واضحة. كما نحيّي الإخوة في الإدارة القانونية بمشروع الجزيرة على هذه المجهودات المتعاظمة، التي تهدف في جوهرها إلى الخروج بمخرجات قانونية عملية وواقعية.
والتحية موصولة عبرهم إلى السيد وزير العدل الذي شرّف ولاية الجزيرة بحضوره، وتكبّد مشاق السفر، إسهامًا في وضع مصفوفة قانونية متكاملة تعالج أوجه القصور والخلل التشريعي الذي ظل يعيق العمل داخل مشروع الجزيرة.
ويُعد مشروع الجزيرة أحد أقدم وأكبر المشروعات الزراعية المروية في إفريقيا والشرق الأوسط، وقد مرّ عبر تاريخه الطويل بعدد من القوانين والتشريعات التي عكست التحولات السياسية والاقتصادية في البلاد. فقد صدر أول تشريع منظم له في عشرينيات القرن الماضي إبان الحكم الثنائي، وهو قانون مشروع الجزيرة لسنة 1925، الذي وضع الأسس الأولى لإدارة المشروع، وركّز على:
•سيطرة الدولة على الأرض والمياه.
•تنظيم العلاقة بين الحكومة والشركة الزراعية والمزارعين.
•اعتماد نظام الشراكة الثلاثية في الإنتاج (الحكومة – المزارع – الإدارة).
وبعد استقلال السودان، أُجريت تعديلات قانونية هدفت إلى سودنة إدارة المشروع، وتعزيز دور الدولة في التخطيط والإشراف، مع الحفاظ على النظام التعاقدي مع المزارعين، وكان من أبرزها قانون مشروع الجزيرة لسنة 1960 الذي وسّع صلاحيات الإدارة المركزية.
وفي عهد نظام مايو، صدرت قوانين ذات طابع اشتراكي، ركّزت على تقليص دور المزارعين في اتخاذ القرار، وزيادة تدخل الدولة في الإنتاج والتسويق، وإنشاء اتحادات مزارعين خاضعة للدولة، الأمر الذي أثّر سلبًا على استقلالية المزارع وكفاءة الإنتاج.
وخلال الفترة من 1989– 2005، شهد المشروع تحولات جذرية تمثلت في تقليص دعم الدولة، والاتجاه نحو الخصخصة، وتحميل المزارعين تكاليف الإنتاج، مما مهّد لصدور قانون مشروع الجزيرة لسنة 2005، الذي شكّل نقطة تحوّل حاسمة، إذ أنهى عمليًا الدور الخدمي للدولة، وفكك الإدارة الموحدة للمشروع، ونقل عبء التمويل والإدارة إلى المزارعين. وقد قوبل هذا القانون بقبول من البعض، ومعارضة واسعة بسبب آثاره السلبية على المشروع وبنيته الاجتماعية.
وفي عام 2014، بدأت مرحلة المراجعة والإصلاح، حيث أدّت الانتقادات المتراكمة إلى إلغاء قانون 2005، وصدور قوانين وتعديلات جديدة هدفت إلى إعادة دور الدولة ومحاولة تصحيح المسار.
التحية لكم وأنتم تجتمعون اليوم في ولاية الجزيرة، ساعين بجدية ومسؤولية إلى إصلاح الخلل، والخروج بمخرجات قانونية عملية، تضع مصفوفة تشريعية جديدة تمكّن هذا المشروع العملاق من استعادة عافيته والانطلاق بثبات نحو آفاق المستقبل.