بقلم – محمد سنهوري الفكي الأمين –
يقف السودان اليوم أمام تحدٍ تاريخي، فالحرب أنهكت بنيته التحتية وأرهقت اقتصاده وأضعفت قدرته على النمو. الطرق التقليدية لإعادة الإعمار، رغم أهميتها، تظل طويلة ومكلفة، بينما الحاجة ملحّة إلى حلول سريعة وذكية واقتصادية تعيد الاقتصاد السوداني للحياة وتنعش قطاعاته المختلفة . في هذا السياق، تبرز الرقمنة اوالرقمية والتقنية كأدوات اقتصادية لا غنى عنها، فهي قادرة على تسريع دورة الإنتاج، وتخفيف كلفة الخدمات، وفتح أسواق جديدة، وخلق بيئة جاذبة للاستثمارات ، وبناء الثقة بين الدولة والمواطن من جهة وبين الدولة والصناديق المانحة والداعمة للاقتصاد من جهة ، مما يجعلها أقصر الطرق نحو النهوض الاقتصادي .
اثر الحرب علي البنية التحتية التقنية: ضربة موجعة للاقتصاد :
الحرب في السودان لم تدمّر فقط الطرق والجسور والمصانع، بل أصابت في الصميم شرايين الاقتصاد الرقمي. شبكات الاتصالات خرجت عن الخدمة في مناطق واسعة، محطات البث والسنترالات تضررت أو نُهبت، الألياف الضوئية قُطعت، وأبراج الاتصالات تعرضت للتخريب أو التدمير المباشر.
تقديرات غير رسمية تشير إلى أن قطاع الاتصالات فقد أكثر من نصف مشتركيه، وخسرت الشركات مليارات الدولارات نتيجة توقف الخدمة. انقطاع الإنترنت أدى إلى انهيار المعاملات المالية الإلكترونية، ما شلّ عمل البنوك وأوقف عمليات الدفع والتحويل. كما تأثرت التحويلات من المغتربين، وهي مصدر رئيسي للعملات الصعبة، تعثرت بشكل كبير، ما زاد الضغط على الاقتصاد الكلي.
الضرر لم يقف عند هذا الحد، بل انعكس على التعليم الذي حُرم فيه آلاف الطلاب من منصات التعلم عن بعد وتأثرت السيرفرات التي تحوي ملايين البيانات والمعلومات عن الطلاب ونتائجهم ، وعلى الصحة التي تعطلت فيها أنظمة التشخيص الرقمية والتواصل بين المراكز الطبية ، كما تأثرت الشركات والوزارات بضياع ثروتها المعلوماتية ، و حتى الأسواق والتجارة والبنوك وخلافه من القطاعات المختلفة تأثرت بظلال الحرب ، إذ كانت كثير من المعاملات تتم عبر تطبيقات دفع بسيطة لم تعد متاحة بفضل الحرب .
هذه الصورة القاتمة تكشف أن البنية الرقمية لم تعد هامشاً في الاقتصاد، بل صارت جزءاً من بنيته الأساسية. وحين تنهار، ينهار الاقتصاد معها.
التحديات :
• البنية التحتية المدمرة : التحدي الأكبر هو الدمار الواسع الذي لحق بشبكات الاتصالات والكهرباء. إعادة بناء هذه البنية التحتية تتطلب استثمارات ضخمة ومجهودا كبيرا وصادقا .
• الفجوة الرقمية: هناك فجوة كبيرة في الوصول إلى الإنترنت والتقنيات الرقمية بين المناطق الحضرية والريفية، وبين الفئات الاجتماعية المختلفة. هذه الفجوة قد تتسع بعد الحرب وتعيق الشمول الرقمي.
• 3. الأمن السيبراني: مع تزايد الاعتماد على الحلول الرقمية، تزداد مخاطر الهجمات السيبرانية واختراق البيانات، مما يتطلب استثماراً كبيراً في أنظمة الأمن السيبراني وبناء القدرات في هذا المجال.
• 4. الإطار القانوني والتنظيمي: يحتاج السودان إلى تطوير إطار قانوني وتنظيمي حديث يدعم التحول الرقمي، ويحمي البيانات، وينظم عمل الشركات التكنولوجية والمالية الرقمية.
• 5. نقص الكفاءات: هناك نقص في الكفاءات المتخصصة في مجالات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مما يتطلب برامج تدريب وتأهيل مكثفة.
• 6. التمويل: تتطلب عملية التحول الرقمي استثمارات كبيرة في البنية التحتية، وتطوير التطبيقات، وتدريب الكوادر، وهو ما يمثل تحدياً في ظل الوضع الاقتصادي الراهن.
• 7. المقاومة الثقافية: قد تكون هناك مقاومة للتغيير وتبني التقنيات الجديدة من قبل بعض الأفراد أو المؤسسات، مما يتطلب حملات توعية وتثقيف.
التقنية كقوة لإنعاش الاقتصاد :
وسط هذا الواقع، تظهر الرقمنة كأداة تعويضية قادرة على إعادة الحركة الاقتصادية كما ان المحافظ الرقمية تعيد السيولة للأسواق وتدعم التجارة الداخلية، التعليم الإلكتروني يحمي مكون رأس المال البشري، ويمنع جيل الشباب من الضياع. الصحة الرقمية تقلل تكاليف العلاج وتزيد إنتاجية المجتمع.
التقنية هنا ليست مجرد رفاهية، بل وسيلة لتقليل الخسائر وتسريع التعافي الاقتصادي، حتى قبل اكتمال إعادة الإعمار المادي.
تجارب دولية: التقنية كقاطرة اقتصادية :
التاريخ الحديث يقدم دروساً واضحة: الرقمنة هي أسرع الطرق لإنعاش الاقتصادات بعد الحروب والأزمات.
رواندا: بعد الإبادة الجماعية عام 1994، كان اقتصادها شبه منهار. لكنها اعتمدت على الاستثمار في الخدمات المالية عبر الهاتف المحمول. اليوم، أكثر من 80% من السكان يستخدمون Mobile Money للتحويلات والمدفوعات، ما ساعد على تنشيط التجارة الداخلية، ودعم المشاريع الصغيرة، وجعل رواندا تُلقب بـ “سنغافورة إفريقيا”.
كينيا: تجربة M-Pesa منذ 2007 أحدثت ثورة مالية، حيث ارتفع الشمول المالي من أقل من 30% إلى أكثر من 80% خلال عقد واحد. هذا التحول انعكس على الاقتصاد عبر زيادة حجم التبادل التجاري الداخلي، وتحفيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
غانا: استطاعت أن تربط المحافظ الرقمية بتحويلات المغتربين، وهي مصدر رئيسي للعملة الصعبة. هذا التكامل جعل التحويلات أكثر أماناً، وزاد من مساهمتها في الناتج المحلي.
إثيوبيا: رغم التحديات السياسية، استثمرت في البنية الرقمية وربطتها بالبنية اللوجستية، خصوصاً السكك الحديدية الذكية التي سهلت التجارة مع جيبوتي والدول المجاورة، ما خفض تكاليف النقل ورفع الصادرات.
إستونيا: بلد صغير لكنه أصبح نموذجاً عالمياً. اعتمد على الهوية الرقمية والخدمات الحكومية الإلكترونية بنسبة تكاد تصل إلى 100%. النتيجة: اقتصاد منخفض الكلفة الإدارية، جاذب للاستثمارات، وأكثر شفافية.
الهند: مع إطلاق نظام الهوية الرقمية Aadhaar، تم تسجيل أكثر من مليار مواطن في قاعدة بيانات موحدة. هذا المشروع ساعد على توجيه الدعم الحكومي مباشرة للمستحقين، وقلل من الفساد والهدر بمليارات الدولارات سنوياً.
كوريا الجنوبية: بعد الحرب الكورية، كان البلد من أفقر دول العالم. لكنه استثمر بكثافة في التعليم والبنية الرقمية، فتحول إلى قوة صناعية ورقمية. شركات مثل سامسونغ وهيونداي أصبحت رموزاً لاقتصاد مبني على التقنية.
سنغافورة: بلا موارد طبيعية، لكنها اعتمدت على الرقمنة والذكاء الاصطناعي لتصبح مركزاً مالياً ولوجستياً عالمياً. مثال حي على أن الاقتصاد لا يقوم فقط على الموارد الطبيعية بل على العقول والبنية الرقمية.
الصين: التجارة الإلكترونية غيرت ملامح اقتصادها. منصات مثل Alibaba وJD.com فتحت أسواقاً لملايين المشاريع الصغيرة، وجعلت الصين لاعباً أساسياً في التجارة الرقمية العالمية.
الإمارات: عبر المدن الذكية والخدمات الحكومية الإلكترونية، استطاعت تقليل كلفة الخدمات العامة، وزيادة كفاءة الإدارة، وجذب استثمارات ضخمة.
السعودية: من خلال رؤية 2030، اعتمدت الرقمنة كجزء من خطتها لتنويع الاقتصاد. التجارة الإلكترونية، الحكومة الرقمية، والتعليم الرقمي أصبحت ركائز أساسية.
من هذه النماذج يمكن استخلاص دروس عملية وملموسة:
. التركيز على الهاتف المحمول كأداة للشمول المالي، كما في كينيا ورواندا.
الاستفادة من تحويلات المغتربين وربطها بالمنظومة الرقمية، كما فعلت غانا.
التحول إلى حكومة رقمية لخفض التكاليف والفساد، كما في إستونيا.
الاستثمار في التعليم والمهارات التقنية كشرط لأي نهضة، كما في كوريا الجنوبية.
التنويع الاقتصادي عبر الرقمنة كما فعلت الإمارات والسعودية.
هذه الدروس تؤكد أن الرقمنة ليست مشروعاً جانبياً، بل قلب أي خطة تعافٍ اقتصادي.
كيف تسرّع التقنية التعافي الاقتصادي في السودان؟
في السودان، الرقمنة يمكن أن تختصر سنوات طويلة من التعافي:
المالية الرقمية تعيد الثقة بالمعاملات وتنشط الأسواق.
الحكومة الإلكترونية تخفض كلفة المعاملات وتزيد الإيرادات الضريبية.
الزراعة الذكية ترفع الإنتاجية وتفتح أسواقاً جديدة.