الرئيس المصري للرئيس السوداني: «ملناش غير بعض».. السفير ياسر سرور يفتح صفحة جديدة في العلاقات السودانية المصرية
بقلم : محمد عثمان الرضي
بدعوة كريمة من رئيس رابطة الصحافة الإلكترونية بدولة مصر العربية، الزميل عماد السنوسي، توجهنا برفقة مجموعة من الإعلاميين السودانيين إلى مقر وزارة الخارجية المصرية، في لقاء حمل كثيراً من الدلالات السياسية والدبلوماسية والإنسانية.
كان اللقاء مع سفير جمهورية مصر العربية الجديد لدى السودان السفير ياسر سرور، الذي يستعد لتقديم أوراق اعتماده رسمياً إلى رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان خلال الأيام المقبلة.
ويأتي السفير ياسر سرور خلفاً للسفير المصري السابق لدى السودان، السفير هاني صلاح، الذي جرى تكليفه بمنصب مساعد وزير الخارجية المصري لشؤون السودان وجنوب السودان، في خطوة تعكس أهمية الملف السوداني في دوائر الدبلوماسية المصرية.
وقدّم السفير ياسر سرور خلال اللقاء تنويراً شاملاً اتسم بالوضوح والصراحة، تناول فيه رؤيته لطبيعة مهمته الجديدة وأولويات المرحلة المقبلة في مسار العلاقات السودانية المصرية.
وأكد أن مهمته الأساسية تتمثل في العمل على توطيد العلاقات بين الخرطوم والقاهرة، وتعزيز جسور التواصل بين الشعبين، وترجمة عمق العلاقات التاريخية إلى برامج عملية ومصالح مشتركة.
الملف الاقتصادي حظي بمساحة واسعة من حديث السفير، الذي أكد أهمية الانتقال بالعلاقات الاقتصادية إلى آفاق أرحب، بما يحقق المنافع المشتركة ويعزز فرص التعاون والاستثمار والتبادل التجاري بين البلدين.
فالسودان ومصر لا تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة فحسب، وإنما تجمعهما أيضاً فرص اقتصادية هائلة يمكن أن تشكل أساساً لشراكة أكثر قوة واستدامة.
وفي الجانب الثقافي، بدا السفير مهتماً بصورة خاصة بتطوير العلاقات الثقافية بين البلدين، مؤكداً أن الثقافة يمكن أن تكون جسراً أكثر قوة في تقريب الشعوب وتعميق المعرفة المتبادلة بينهما.
ولدى السفير رؤية متقدمة في هذا المجال، تقوم على توسيع مساحات التواصل الثقافي والإعلامي والفكري، بما يعكس حقيقة العلاقات الشعبية الراسخة بعيداً عن أي عابر من الخلافات أو سوء الفهم.
إعادة إعمار ما دمرته الحرب في السودان تمثل كذلك أحد الملفات الحاضرة بقوة على طاولة السفير، باعتبار أن مرحلة ما بعد الحرب تحتاج إلى شراكات إقليمية فاعلة، وفي مقدمتها الشراكة مع مصر.
ولم يغفل السفير عن واحد من أكثر الملفات إلحاحاً بالنسبة للسودانيين، وهو ملف التأشيرات والإجراءات المرتبطة بالسفر إلى مصر، والذي أصبح حديث الساعة ويمس شرائح واسعة من السودانيين.
وأبدى السفير استعداداً واضحاً للعمل على تذليل العقبات المرتبطة بهذا الملف، مع التركيز بصورة خاصة على المرضى السودانيين الراغبين في تلقي العلاج بمصر، والطلاب السودانيين الراغبين في مواصلة دراستهم، وغيرهم ممن تفرض عليهم ظروفهم التنقل بين البلدين.
كما أكد أن التعامل مع هذه الملفات يجب أن يتم بروح تراعي الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان، دون الإخلال في الوقت ذاته بالقوانين والإجراءات المنظمة للدخول والإقامة.
وفي ملف بالغ الحساسية كان السفير واضحاً في تأكيده أن وحدة السودان وسلامة أراضيه تمثلان موقفاً ثابتاً، وأن الحوار السوداني السوداني هو السبيل الأمثل لمعالجة قضايا السودان.
وأكد أن القاهرة لا تتبنى أجندة خفية تجاه الخرطوم، وأن ما يجمع البلدين أكبر بكثير من أن تسمح له الحسابات العابرة أو الشائعات بتعكير صفوه.
وقد تركزت مداخلات الإعلاميين السودانيين في معظمها حول قضايا وهموم ومشكلات السودانيين المقيمين في مصر، باعتبار أن الإعلام شريك أساسي في نقل نبض الشارع ووضع القضايا أمام المسؤولين.
ومن اللافت أن السفير رفض استخدام وصف «اللاجئين» عند الحديث عن السودانيين الذين قدموا إلى مصر، مؤكداً أنهم ضيوف أعزاء يعيشون في بلدهم الثاني وبين أهلهم وأشقائهم.
هذه العبارة تحمل قيمة سياسية وإنسانية كبيرة، لأنها تتجاوز المصطلحات إلى جوهر العلاقة الشعبية بين السودان ومصر، وتؤكد أن روابط الدم والجوار والتاريخ لا يمكن اختزالها في توصيفات إدارية أو قانونية.
وفي السياق ذاته شدد السفير على ضرورة تفويت الفرصة أمام كل من يسعى إلى زرع الفتنة والإيقاع بين الشعبين السوداني والمصري، مؤكداً أن الأخطاء التي تقع بين الأشقاء يجب ألا تتحول إلى سبب لتعكير صفو العلاقات.
فالاختلافات والأخطاء أمر طبيعي بين البشر، والمهم أن تكون المعالجة بروح الأخوة، وأن يعذر بعضنا بعضاً، وألا نسمح للحوادث الفردية بأن تتحول إلى أزمة بين شعبين.
ولعل أكثر العبارات حضوراً في الذاكرة الشعبية لدى السودانيين والمصريين تلك المقولة التي يرددها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي: «ملناش غير بعض».
وهذه العبارة لم تعد مجرد جملة عابرة في خطاب سياسي، وإنما أصبحت تختصر في وجدان كثيرين طبيعة العلاقة بين بلدين ارتبطا بتاريخ طويل من التداخل الشعبي والمصالح والمصير المشترك.
أمن السودان من أمن مصر، وأمن مصر من أمن السودان؛ فهما، في واقع الأمر، توأمان يتغذيان من حبل سري واحد، وما يهدد أحدهما لا يمكن أن يكون بعيداً عن الآخر.
ومن اللافت كذلك أن السفير ياسر سرور يحمل روحاً تفاؤلية كبيرة تجاه مهمته الجديدة، ويبدو مقتنعاً بأن فترة عمله في السودان يمكن أن تكون واحدة من أنضر وأجمل محطات حياته الدبلوماسية.
وقد عبّر عن ذلك بوضوح، مشيراً إلى أن مشاعر الترحيب التي لمسها من الشعب السوداني منذ الإعلان عن اختياره سفيراً لدى السودان منحته دفعة معنوية كبيرة، ورسخت لديه الأمل في أن يبدأ مهمته بروح مختلفة.
أما ملف تقنين أوضاع السودانيين في مصر، فقد أكد السفير أهمية استكمال إجراءات تجديد الإقامات، مشدداً على أن احترام القانون أمر لا استثناء فيه، وأن القوانين المنظمة للإقامة تسري على الجميع دون تمييز.
وهذا الموقف، إذا ما اقترن بإجراءات عملية مرنة تراعي الظروف الإنسانية والاستثنائية للسودانيين، يمكن أن يسهم بصورة كبيرة في معالجة كثير من الإشكالات التي تواجه الأسر والطلاب والمرضى وغيرهم.
ومن الملفات التي تبدو بالغة الأهمية كذلك فكرة إنشاء مجلس للتنسيق الإعلامي السوداني المصري، باعتباره منصة مؤسسية يمكن أن تسهم في معالجة سوء الفهم، وتعزيز التواصل بين المؤسسات الإعلامية، وبناء خطاب إعلامي مسؤول تجاه قضايا البلدين.
وفي ختام اللقاء، بدا السفير ياسر سرور حريصاً على التأكيد بأنه مستعد لتذليل العقبات ومعالجة المشكلات بكل ما أوتي من قدرة، وأنه لن يتردد في بذل كل جهد ممكن من أجل خدمة العلاقات بين البلدين، مؤكداً أن الشعب السوداني شعب عظيم يستحق كل الاحترام والتقدير.
وبين «ملناش غير بعض» و«أمن السودان أمن مصر وأمن مصر أمن السودان»، تتحدد ملامح الرسالة التي حملها السفير المصري الجديد إلى السودانيين: صفحة جديدة عنوانها المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، والتواصل الصادق، والعمل على تحويل عمق العلاقات التاريخية بين الخرطوم والقاهرة من عبارات جميلة إلى واقع ملموس يلمسه الشعبان في حياتهما اليومية.