كتب: محمد عثمان الرضي –
تظل العلاقات السودانية الكويتية واحدة من أميز وأرسخ العلاقات العربية، وأكثرها عمقاً وامتداداً في وجدان الشعبين. وهي علاقات لم تُبنَ على المصالح العابرة وحدها، وإنما تأسست على مواقف تاريخية راسخة، وتعاون امتد لعقود طويلة، جعل من الكويت دولة شقيقة حاضرة في مسيرة السودان التنموية والاقتصادية والإنسانية.
◆ منذ اللحظات الأولى لميلاد دولة الكويت الحديثة، كان السودان من أوائل الدول التي وقفت إلى جانبها، وجاءت مواقف الكويت تجاه السودان لاحقاً لتؤكد أن العلاقات بين البلدين لم تكن يوماً علاقة دبلوماسية تقليدية، وإنما شراكة عربية أصيلة تتجدد كلما واجه أحد البلدين تحدياً أو احتاج إلى سند.
◆ ومن العلامات الفارقة في تاريخ هذه العلاقة أن دولة الكويت منحت السودان، عقب إعلان استقلالها، أول قرض تنموي خُصص لدعم وتطوير قطاع السكك الحديدية السودانية، في خطوة جسدت مبكراً إيمان الكويت بأهمية التنمية والبنية التحتية في بناء الدولة السودانية.
◆ ولم يكن ذلك القرض مجرد تمويل لمشروع خدمي، وإنما كان رسالة كويتية مبكرة مفادها أن السودان بالنسبة للكويت ليس دولة شقيقة في محيطها العربي فحسب، بل بلد يستحق أن تُسهم في نهضته واستقراره وتنميته.
◆ وعلى امتداد العقود الماضية، ظلت دولة الكويت في مقدمة الدول الداعمة للسودان، وأصبحت من أبرز الشركاء والدائنين في مجال التمويل التنموي، من خلال مساهماتها في عدد كبير من المشروعات الاقتصادية والخدمية ومشروعات البنية التحتية.
◆ وعندما احتاج السودان إلى المساندة في الظروف الإنسانية الصعبة، لم تتأخر الكويت عن القيام بدورها، وظلت حاضرة في مختلف المبادرات التي استهدفت تخفيف معاناة السودانيين، انطلاقاً من موقف ثابت تجاه الشعب السوداني.
◆ وفي ملف العودة الطوعية، تبنت دولة الكويت ومولت جانباً مهماً من الجهود الرامية إلى إعادة السودانيين إلى وطنهم، كما سيرت جسراً جوياً لنقل السودانيين اللاجئين في جمهورية أوغندا، في موقف إنساني يجسد عمق العلاقة بين الشعبين.
◆ ولم يكن هذا الموقف الإنساني منفصلاً عن النهج الكويتي المعروف في التعامل مع الأزمات، حيث ظلت الكويت تنظر إلى السودان باعتباره دولة شقيقة تستحق الدعم والمساندة، بعيداً عن الحسابات الضيقة أو المواقف الموسمية.
◆ وفي شرق السودان، كانت الكويت حاضرة بقوة في مؤتمر المانحين والمستثمرين لإعادة إعمار وتنمية الشرق، وكانت من أكبر المساهمين في ذلك المؤتمر، لتتحول تعهداتها ومساهماتها لاحقاً إلى مشروعات ملموسة في قطاعات البنية التحتية والخدمات.
◆ ولذلك فإن الحديث عن الدور الكويتي في السودان لا ينبغي أن يتوقف عند حدود المساعدات المالية، لأن الكويت ساهمت كذلك في بناء مشروعات ذات أثر مباشر على حياة المواطن السوداني، وظلت حاضرة في ملفات التنمية والخدمات والإعمار.
◆ ومع اندلاع الحرب في السودان، اتخذ الدعم الكويتي بعداً إنسانياً أكثر وضوحاً، فسيرت دولة الكويت جسراً جوياً إلى مطار بورتسودان الدولي، محملاً بالغذاء والكساء والدواء، دعماً لمعسكرات النازحين والمتضررين من الحرب في عدد من الولايات السودانية.
◆ وفي الوقت الذي غادر فيه كثير من البعثات الدبلوماسية السودان بسبب ظروف الحرب، ظل سفير دولة الكويت في السودان مرابطاً داخل البلاد، متخذاً من مدينة بورتسودان مقراً له، ومواصلاً أداء مهامه في واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها الدولة السودانية.
◆ لقد كان بقاء السفير الكويتي في السودان طوال هذه الفترة رسالة دبلوماسية وإنسانية بالغة الدلالة، تؤكد أن الكويت لم تتعامل مع السودان باعتباره أزمة مؤقتة، وإنما باعتباره دولة شقيقة وشريكاً تاريخياً يستحق الوقوف إلى جانبه في محنته.
◆ وبذل السفير الكويتي خلال سنوات الحرب جهوداً مقدرة لتوطيد العلاقات بين البلدين، والحفاظ على جسور التواصل السياسي والدبلوماسي، وتعزيز التعاون في مختلف المجالات.
◆ ولم يقتصر الدور الكويتي على المساعدات المباشرة، بل امتد إلى المجال الاقتصادي والاستثماري، حيث لعبت الكويت دوراً مهماً في تسويق السودان وإقناع الصناديق العربية والاستثمارية التي تتخذ من الكويت مقراً لها بضرورة دعم السودان والمساهمة في مشروعاته التنموية.
◆ ولعل هذه المواقف المتراكمة هي التي تجعل زيارة وزير الخارجية السوداني السفير محي الدين سالم إلى دولة الكويت ذات أهمية استثنائية، لأنها جاءت في توقيت بالغ الحساسية، وفي ظل حاجة البلدين إلى إعادة تنشيط العلاقات الثنائية على مستويات أوسع.
◆ فالزيارة لم تكن زيارة بروتوكولية عابرة، وإنما جاء وزير الخارجية السوداني مبعوثاً لرئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، حاملاً رسالة خطية إلى أمير دولة الكويت، بما يمنح الزيارة ثقلاً سياسياً ودبلوماسياً كبيراً.
◆ كما أن طبيعة الوفد المرافق لوزير الخارجية عكست أهمية الزيارة، إذ ضم وزير المالية الاتحادي الدكتور جبريل إبراهيم، ومحافظ بنك السودان المركزي الأستاذة آمنة ميرغني، وهو ما يؤكد أن أجندة الزيارة تجاوزت السياسة إلى ملفات الاقتصاد والتمويل والاستثمار والتعاون المصرفي والتنموي.
◆ وقد حظيت الزيارة باهتمام رسمي كبير من الجانب الكويتي، وترجم ذلك بوضوح من خلال المباحثات الثنائية التي تناولت آفاق العلاقات بين البلدين، والفرص المتاحة لتطويرها في المرحلة المقبلة.
◆ وتكتسب الزيارة أهمية إضافية لأنها تأتي بعد سنوات من غياب الزيارات الثنائية رفيعة المستوى، إذ كانت آخر زيارة رئاسية سودانية إلى الكويت في عهد الرئيس السوداني الأسبق عمر البشير عام 2018.
◆ كما أن دولة الكويت لم تكن بعيدة عن المشهد السوداني في مرحلة التحول السياسي، فقد شارك ممثلها في مراسم توقيع الوثيقة الدستورية عام 2019 بين قوى إعلان الحرية والمجلس العسكري الانتقالي، في تأكيد على استمرار حضورها في الشأن السوداني من موقع الشقيق والصديق.
◆ وتأتي أهمية زيارة وزير الخارجية كذلك في ضوء غياب انعقاد اللجنة الوزارية المشتركة بين البلدين منذ فبراير 2015، الأمر الذي يجعل تحريك مسارات التعاون الرسمي والاقتصادي بين الخرطوم والكويت ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة الجديدة.
◆ وربما كان من حسن حظ هذه الزيارة أن يقودها وزير خارجية سبق له أن عرف الكويت عن قرب، وعمل سفيراً للسودان لديها لنحو أربع سنوات، وهي فترة أتاحت له بناء علاقات واسعة مع القيادة والمسؤولين والشخصيات المؤثرة في دولة الكويت.
◆ ومن الطبيعي أن تكون المعرفة المباشرة بطبيعة المجتمع السياسي والدبلوماسي الكويتي، إلى جانب العلاقات التي نسجها الوزير خلال فترة عمله سفيراً، عاملاً مساعداً في إنجاح الزيارة وفتح أبواب جديدة للتعاون بين البلدين.
◆ وما يلفت النظر أن هذه الزيارة جاءت في سياق جولات دبلوماسية مكثفة قام بها وزير الخارجية السوداني خلال الأيام الماضية، استطاع من خلالها، وفق المعطيات المتاحة، أن يحدث اختراقاً مهماً في عدد من الملفات الإقليمية والدولية ذات الصلة بالسودان.
◆ والمؤكد أن نتائج هذه التحركات لن تظهر كلها بصورة فورية، فالدبلوماسية الناجحة لا تقاس دائماً بما يصدر عقب الاجتماعات من بيانات، وإنما بما يتحول لاحقاً إلى قرارات واتفاقات ومشروعات ومواقف سياسية واقتصادية.
◆ وقد أتيحت لي شخصياً فرصة للوقوف على جانب من أجواء هذه الزيارة، بدعوة كريمة من سفير السودان لدى جمهورية مصر العربية السفير عماد الدين عدوي، الذي استضافني بمنزله في القاهرة على مأدبة غداء يوم الجمعة، والتقيت خلالها بوزير الخارجية والوفد المرافق له عقب عودتهم من دولة الكويت.
◆ وكان واضحاً من حديث وزير الخارجية السفير محي الدين سالم أن الزيارة تركت لديه انطباعاً إيجابياً للغاية، فقد بدا أكثر تفاؤلاً وهو يتحدث عن نتائجها، وكانت ملامح الرضا والسعادة بادية على حديثه وهو يستعرض ما تحقق من تفاهمات وما يمكن أن تفضي إليه المرحلة المقبلة.
◆ وبالرغم من علاقتي الخاصة بوزير الخارجية ولقاءاتي المستمرة به، فإنني شعرت هذه المرة بأن الأمر مختلف؛ فقد كان حديثه عن الكويت أكثر تفاؤلاً، وكأن الرجل لمس بنفسه استعداداً كويتياً حقيقياً للانفتاح على السودان ودعمه في المرحلة القادمة.
◆ أما سفير السودان بالقاهرة السفير عماد الدين عدوي، فقد صنع لي مفاجأة خاصة بدعوته إلى منزله وتهيئة هذا اللقاء، وهي لفتة أقدرها كثيراً، خصوصاً أنني كنت قد التقيته من قبل في مكتبه بالسفارة، لكن اللقاء المنزلي منح المناسبة بعداً إنسانياً خاصاً.
◆ ولا يسعني في ختام هذه الإطلالة إلا أن أتقدم بالشكر للسفير عماد الدين عدوي على هذه الدعوة الكريمة، راجياً من الله أن أكون دائماً عند حسن ظنه، وألا أخيب أمله في شخصي أو في رسالتي الصحفية.
◆ ويبقى الأهم أن زيارة وزير الخارجية السوداني إلى الكويت لم تكن مجرد زيارة دبلوماسية، وإنما يمكن أن تكون بداية لمرحلة جديدة في العلاقات السودانية الكويتية؛ مرحلة تستعيد فيها الكويت موقعها التاريخي في دعم السودان، ويستعيد فيها السودان حضوره كشريك اقتصادي وتنموي وسياسي موثوق.
◆ فالكويت لم تكن يوماً ضيفاً عابراً في دفتر العلاقات السودانية، وإنما كانت دائماً شقيقة حاضرة في لحظات البناء، وحاضرة في أوقات المحن، ويبقى الرهان الآن على تحويل هذا الرصيد التاريخي الكبير إلى شراكات جديدة تليق بمستقبل البلدين.