بقلم : مزمل سليمان حمد
من يدير الحوار؟ لجنة وطنية تقود السودان من الأزمة إلى التوافق…
إذا كان المقال السابق قد توقف عند ضرورة تحويل الدعوة إلى الحوار إلى خارطة طريق، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً الآن هو:
من الذي يدير هذا الحوار؟
ومن يملك القدرة على جمع المختلفين حول طاولة واحدة، وإدارة خلافاتهم وحماية الحوار من أن يتحول إلى منصة جديدة للصراع؟
هنا تبرز أهمية اللجنة العليا لإدارة الحوار التي ينبغي ألا تكون لجنة بروتوكولية أو سياسية عابرة وإنما مؤسسة وطنية مستقلة، تتمتع بالقبول والثقة والصلاحيات اللازمة لإدارة واحدة من أعقد مراحل التاريخ السوداني الحديث.
وفي هذا السياق طرح زميلنا المبدع الأستاذ حامد عثمان اسماً أراه جديراً بالتقدير والدعم، هو البروفيسور علي محمد شمو لرئاسة اللجنة وهو مقترح يستحق أن يُناقش بجدية، ليس باعتباره ترشيحاً لشخص فحسب، وإنما باعتباره بحثاً عن شخصية تتمتع بالخبرة الوطنية والمهنية والمعرفة الواسعة بالإعلام والمجتمع والدولة، وقادرة على إدارة الاختلاف والاستماع إلى الجميع. فالحوار يحتاج إلى رئيس لا يأتي إلى الطاولة ليقود فريقاً، وإنما ليقود الطاولة نفسها.
لكن رئيس اللجنة وحده لا يكفي المطلوب أن تضم اللجنة شخصيات سودانية ذات وزن وخبرة ونزاهة تمثل أقاليم السودان وشرائحه الاجتماعية والمهنية، وتجمع بين القانون والسياسة والاقتصاد والإدارة والإعلام والمجتمع المدني والشباب والمرأة والإدارات الأهلية، مع الاستفادة من أصحاب الخبرات الوطنية المستقلة.
والأهم أن تُبنى اللجنة على معايير واضحة لا على المحاصصة الكفاءة قبل الولاء، والخبرة قبل الشهرة، والاستقلالية قبل الانتماء، والقدرة على التوفيق قبل الرغبة في التأثير.
وهناك فكرة جديدة أرى ضرورتها: أن تعمل اللجنة من خلال ثلاثة مستويات متكاملة مجلس أعلى يتولى التوجيه وضمان الاستقلال، وأمانة فنية محترفة تتولى الدراسات والوثائق وإدارة الجلسات والتواصل، ولجان متخصصة للقضايا الكبرى، بحيث لا يتحول الحوار إلى أحاديث سياسية عامة، وإنما ينتج أوراقاً وحلولاً ومقترحات قابلة للتنفيذ.
كما أقترح إنشاء مرصد وطني للحوار يتولى توثيق الجلسات والمقترحات ومتابعة ما تم الاتفاق عليه، وإصدار تقارير دورية للرأي العام. فالشفافية ليست ترفاً، وإنما إحدى أهم وسائل حماية الحوار من الشائعات والتأويلات.
وينبغي كذلك أن تضع اللجنة ميثاقاً ملزماً للحوار يحدد قواعد الخطاب، وحق الاختلاف، وآليات اتخاذ القرار، وكيفية التعامل مع نقاط الخلاف، ويمنع التخوين والإقصاء والتحريض. فالاختلاف ليس مشكلة الحوار؛ المشكلة أن يتحول الاختلاف إلى خصومة تمنع الوصول إلى الحل.
ومن الأفكار المهمة أيضاً ألا تنتظر اللجنة حضور الجميع إلى الخرطوم أو إلى قاعة واحدة؛ بل يمكن أن تنظم حواراً متعدد المنصات والأقاليم يستمع إلى النازحين واللاجئين والمهنيين والمزارعين والطلاب والنساء والشباب ويستفيد من التقنية لعقد جلسات متخصصة لمن تعذر حضورهم.
أما مخرجات الحوار فيجب ألا تُترك لتقادم الزمن. وهنا أقترح إنشاء آلية تنفيذ ومتابعة مرتبطة باللجنة، بجدول زمني ومؤشرات قياس واضحة، حتى لا يصبح الحوار مجرد وثيقة جديدة تُضاف إلى أرشيف المبادرات السودانية.
إن اختيار رئيس وأعضاء اللجنة العليا هو في الحقيقة أول اختبار لجدية الحوار نفسه فإذا اختيرت شخصيات مقبولة ومستقلة وقادرة على إدارة الخلاف، وامتلكت اللجنة صلاحياتها كاملة، فقد نكون قد وضعنا أول لبنة صحيحة.
ولذلك فإن ترشيح البروفيسور علي محمد شمو لرئاسة اللجنة، الذي طرحه الأستاذ حامد عثمان يستحق أن يكون بداية لنقاش أوسع حول المعايير قبل الأسماء، والمؤهلات قبل الانتماءات والمهمة قبل الأشخاص.
السودان لا يحتاج لجنة جديدة تضاف إلى لجانه وإنما يحتاج عقولاً وطنية تدير الحوار بعقل الدولة، وروح الوطن، وضمير المسؤولية.
فمن يختار اللجنة؟ وكيف تختار أعضاءها؟ وما الصلاحيات التي تمنح لها؟ وكيف نضمن استقلالها؟
تلك هي الأسئلة التي ينبغي أن تسبق الجلسة الأولى للحوار.
وللحديث بقية بإذن الله تعالى.