منصة السودان الاخبارية
معك في كل مكان

هموم كاتب.. ومطاردة السراب المبدع

بقلم – د. عبدالله البطيّان

​إن “الفكرة” بالنسبة للكاتب ليست مجرد خاطر عابر، بل هي كائن حيّ، متمرد، لا يطرق الأبواب المستأذنة. همُّ الكاتب يبدأ من اللحظة التي تولد فيها الفكرة كشرارة غامضة في مؤخرة الذهن، لتبدأ بعدها رحلة “المطاردة” ولأني ابن أكبر واحة نخيل في العالم من صنع الإنسان أعي تمامًا ما أقول.

​هذه المطاردة ليست نزهة، بل هي سهرٌ مضنٍ لاستدراج المعنى من غياهب الغياب. يسكن الكاتب قلقٌ دائم؛ خوفاً من أن تنفلت منه تلك الفكرة الوليدة قبل أن يودعها سجن القرطاس، أو أن يخونها التعبير فلا تظهر بالصورة التي تليق بجلالها ولأني ابن الهفوف اليقظة والمشهد الثقافي المتجدد والمتطور حسب وصف اليونسكو فليس الأمر علي بجديد.

هذا الهمّ هو “الوجع اللذيذ” الذي يجعل الكاتب في حالة استنفار وجداني مستمر، وكأنه صياد يقتفي أثر غزال شارد في غابة من الفوضى أو كما يحدث في جزيرة الزخنونية أحد جزر شاطئ العقير امتداد الخليج العربي أي في الأحساء السعودية.

أما عن طغيان الحياة.. فهل يكسر هذا الطغيان مجاديف الإلهام؟

​يطرح الواقع سؤاله القاسي: هل تستطيع ضغوط الحياة اليومية، بمسؤولياتها الجسام والتزاماتها التي لا تنتهي، أن تهزم الفكرة؟ ولأني في عنق التجربة كإنسان يمر بالتجربة ولازال بين هموم الكاتب ومطاردة الفكرة ولدي من انشغالات الحياة ومشاكلها وضغوطاتها ما يجعل تقلب الفكرة وولادة الإلهام وخلق الدافعية حسب منعطفات حياتي أقول:

​الحقيقة أن الكاتب يعيش في “برزخ” بين عالمين: عالم الواجبات المهنية والاجتماعية، وعالم الخيال المجنح. حين تتكالب الضغوط، قد يبدو للوهلة الأولى أن الإلهام قد انحسر، وأن “الفكرة الوليدة” قد اختنقت تحت ركام الالتزامات. لكن، ومن مفارقات الإبداع، أن الضغط غالباً ما يكون هو الرحم الذي تولد منه أعظم الأفكار.

​”إن الإنشغال لا يقتل الفكرة، بل يختبرها؛ فالفكرة القوية هي تلك التي تظل تلحُّ على صاحبها وسط الزحام، تطالبه بالخروج للنور رغم ضيق الوقت وكثرة الصوارف.”

​إن الإبحار في الفكرة الوليدة قد يتعطل مؤقتاً بفعل أمواج الحياة العاتية، لكن الكاتب الذي يمتلك بوصلة الرؤية يدرك أن تلك الضغوط ليست إلا وقوداً لعمق التجربة الإنسانية. فالمعاناة والركض خلف لقمة العيش أو الواجب المهني تمنح الأدب “واقعية” و”صدقاً” لا يملكه من يعيش في أبراج عاجية.

​ختامًا..أظل أنا كطبيب حياة وكاتب في أجناس أدبية متعددة ووكيل أدبي ومؤسس ورئيس نادي النورس الثقافي أوازن بين مِشرط يداوى به الجراح، وقلمٍ أداوي به شتات الروح، مؤمناً بأن الفكرة التي تستحق البقاء هي تلك التي تصمد أمام عواصف الحياة، لتخرج في النهاية نصاً يصافح القلوب ويخلد في الذاكرة لذلك الآن أمتلك ما يعادل خمسون كتابًا ومستشارًا ثقافيًا في مجلة السياحة العربية وأطل عليكم كاتبًا هذا المقال.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.