بقلم : محمد سنهوري الفكي الامين
ليست الحرب التي اندلعت في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين مسلحتين، بل هي في جوهرها تعبير عن أزمة دولة تراكمت عبر عقود طويلة. فالصراع الذي انفجر بعنف في قلب العاصمة والمدن الكبرى لم يكن حادثًا مفاجئًا في تاريخ البلاد، بل كان نتيجة طبيعية لمسار سياسي مضطرب اتسم بضعف المؤسسات وغياب مشروع وطني جامع قادر على إدارة التنوع الهائل الذي يتميز به السودان.
منذ الاستقلال عام 1956، ظل السودان يدور في حلقة مفرغة بين الحكم العسكري والانتقالات السياسية الهشة. وفي كل مرة كانت تتشكل فيها فرصة لبناء نظام سياسي مستقر، كانت الصراعات الحزبية أو الانقلابات العسكرية تعيد البلاد إلى نقطة البداية. وبدلًا من ترسيخ دولة مؤسسات، ترسخ نمط من الحكم يقوم على مراكز قوة متنافسة، الأمر الذي أضعف الدولة وأفقدها القدرة على إدارة التوازنات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة.
الحرب الأخيرة كشفت هشاشة هذه البنية بصورة غير مسبوقة. فخلال فترة قصيرة انهارت مؤسسات حيوية، وتعطل جزء كبير من النشاط الاقتصادي، وتعرضت البنية التحتية للتدمير، بينما وجد ملايين السودانيين أنفسهم بين النزوح الداخلي واللجوء إلى دول الجوار. ولم تعد الأزمة مجرد صراع سياسي أو أمني، بل تحولت إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في المنطقة.
ومع ذلك، فإن التاريخ يقدم لنا دروسًا واضحة: فالأزمات الكبرى، رغم قسوتها، كثيرًا ما تتحول إلى لحظات فاصلة في مسار الدول. لقد خرجت دول عديدة من حروب مدمرة لتؤسس نظمًا سياسية واقتصادية أكثر استقرارًا، عندما أدركت نخبها أن الاستمرار في المسار القديم لم يعد ممكنًا.
المشكلة الأساسية في السودان لم تكن فقط في التنافس على السلطة، بل في غياب رؤية مشتركة لطبيعة الدولة نفسها. فالدولة السودانية نشأت منذ البداية في إطار مركزي شديد التمركز حول العاصمة، بينما ظلت أقاليم واسعة تشعر بالتهميش السياسي والاقتصادي. هذا الخلل البنيوي خلق شعورًا متراكمًا بالظلم وعدم المشاركة، وأسهم في إشعال نزاعات متعددة في أطراف البلاد.
لهذا السبب فإن أي تسوية سياسية مستقبلية لا ينبغي أن تختزل في وقف إطلاق النار أو تقاسم السلطة بين القوى المتصارعة. فمثل هذه التسويات، رغم أهميتها الآنية، قد تعيد إنتاج الأزمة نفسها إذا لم تعالج جذورها العميقة. المطلوب هو إطلاق عملية تأسيس جديدة للدولة تقوم على عقد اجتماعي حديث يضمن المشاركة العادلة في الحكم وإدارة الموارد.
المزيد من المشاركات