منصة السودان الاخبارية
معك في كل مكان

النفط يكتب فصول الحرب.. وبرميل الطاقة يشعل خرائط الاقتصاد

بقلم: محمد سنهوري الفكي الامين

‎لم يكن تجاوز أسعار النفط حاجز المئة دولار للبرميل مجرد رقم جديد في لوحات التداول العالمية، بل كان جرس إنذار اقتصادي يدوّي في أرجاء العالم. فحين تقفز الأسعار بهذه السرعة، مدفوعة بدخان الحرب والتوترات العسكرية في الشرق الأوسط، فإن الأسواق لا تقرأ الأمر باعتباره أزمة طاقة فقط، بل بوصفه مؤشراً على اضطراب جيوسياسي قد يعيد رسم خرائط الاقتصاد العالمي لسنوات قادمة.

لقد شهدت الأسواق خلال الأيام الماضية قفزة حادة، إذ تجاوز خام برنت مستوى 100 دولار ووصل في بعض التداولات إلى نحو 120 دولاراً للبرميل، وهو ارتفاع غير مسبوق بهذه السرعة منذ الأزمة التي رافقت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022. غير أن ما يجعل هذه القفزة أكثر خطورة هو ارتباطها بمنطقة تُعد قلب صناعة الطاقة العالمية؛ فالشرق الأوسط يحتفظ بما يقارب نصف احتياطيات النفط في العالم، ونحو 40% من احتياطيات الغاز الطبيعي.

المعضلة الكبرى لا تكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في الموقع الجغرافي للأزمة. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، أصبح نقطة توتر رئيسية في هذه الحرب. أي تعطّل طويل في هذا الممر البحري يعني اختناق شريان الطاقة العالمي، وهو ما يفسر القلق الشديد في الأسواق المالية واندفاع المستثمرين نحو التحوط ورفع الأسعار بشكل استباقي. ويكفي أن نعلم أن ما بين 17 و20 مليون برميل من النفط تمر يومياً عبر هذا المضيق، أي ما يعادل استهلاك قارة بأكملها.

في مواجهة هذا المشهد، بدأت الدول الصناعية الكبرى التفكير في استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية من النفط، وهي مخزونات طوارئ أنشئت تحديداً لمثل هذه الأزمات. وتشير تقديرات إلى احتمال الإفراج عن ما بين 300 و400 مليون برميل من هذه الاحتياطيات، في محاولة لتهدئة الأسواق ومنع حدوث صدمة طاقة عالمية. غير أن هذا الحل، كما يؤكد خبراء الطاقة، لا يمثل سوى مسكن مؤقت؛ إذ يمكنه تعويض بضعة أسابيع فقط من نقص الإمدادات، بينما تظل المشكلة الحقيقية مرتبطة باستمرار التوتر العسكري.

التداعيات الاقتصادية لهذه القفزة في أسعار النفط لا تتوقف عند حدود أسواق الطاقة. فارتفاع أسعار الوقود ينعكس سريعاً على تكاليف النقل والشحن والصناعة والزراعة، ما يؤدي إلى موجة تضخم جديدة تضرب الاقتصاد العالمي. وقد بدأت بالفعل مؤشرات القلق تظهر في البورصات العالمية، حيث تراجعت الأسهم مع تصاعد المخاوف من ارتفاع تكاليف الإنتاج وتباطؤ النمو الاقتصادي.

أما بالنسبة لدول المنطقة، فإن الصورة تبدو معقدة. فمن جهة، تحقق الدول المنتجة للنفط عوائد مالية ضخمة مع ارتفاع الأسعار، وهو ما يعزز ميزانياتها العامة ويوفر موارد إضافية للاستثمار. لكن من جهة أخرى، فإن استمرار الحرب أو اتساع نطاقها قد يعطل حركة التصدير ويهدد البنية التحتية للطاقة، وهو سيناريو قد يحول المكاسب المالية إلى خسائر استراتيجية.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل تأثير الأزمة على السودان. فالسودان، رغم امتلاكه موارد نفطية محدودة مقارنة بدول الخليج، يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الوقود والسلع المرتبطة بالطاقة. ارتفاع أسعار النفط عالمياً يعني تلقائياً زيادة تكلفة النقل والكهرباء والإنتاج الزراعي والصناعي، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على أسعار السلع الأساسية في الأسواق المحلية. ومع اقتصاد يعاني أصلاً من ضغوط كبيرة، فإن أي موجة تضخم جديدة قد تزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي والاجتماعي.

كما أن ارتفاع تكلفة الشحن البحري قد يؤثر على تجارة السودان الخارجية، خاصة في مجال الصادرات الزراعية والواردات الغذائية، وهو ما قد يرفع أسعار السلع ويضغط على الميزان التجاري. وتزداد هذه التحديات تعقيداً في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد.

إن التاريخ يعلّمنا أن النفط لم يكن يوماً مجرد سلعة اقتصادية، بل كان دائماً لاعباً سياسياً مؤثراً في العلاقات الدولية. من أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي إلى صدمات الطاقة في القرن الحادي والعشرين، ظل البرميل قادراً على تحريك الأسواق وإعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية.

واليوم، مع عودة النفط إلى مستويات تتجاوز المئة دولار، يبدو العالم مرة أخرى أمام اختبار جديد. فإما أن تنجح الدبلوماسية في احتواء التوترات وإعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة، أو أن يتحول هذا الارتفاع إلى بداية مرحلة اقتصادية أكثر اضطراباً، يكون فيها النفط ليس مجرد وقود للاقتصاد العالمي، بل وقوداً لأزمات جديدة لم تتكشف فصولها بعد.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.