منصة السودان الاخبارية
معك في كل مكان

الخيانة الداخلية والحسم السيادي: مفترق طرق السودان

بقلم – م.صلاح غريبة –

يشهد السودان اليوم مرحلة فارقة ومفصلية في تاريخه، حيث لا تقتصر المعركة على خطوط النار الأمامية فحسب، بل تمتد جذورها تنهش في جسد الدولة من الداخل. الرسالة الواردة بوضوح تضع اليد على الجرح الغائر: وجود “عدد مقدر” من المتعاطفين والداعمين للمتمردين (الجنجويد) متغلغلين داخل المؤسسات المدنية والعسكرية للدولة. هذه الملحوظة ليست مجرد تهمة عابرة، بل هي قراءة واقعية لخطر استراتيجي يهدد الأمن القومي من عمقه.
إن هذا التغلغل الداخلي ليس فقط “سببًا أساسيًا لجر التمرد إلى الأجزاء الآمنة من الدولة”، بل هو بمثابة “العيون والآذان” التي تمد العدو بالمعلومات الحيوية عن كل صغيرة وكبيرة داخل دواليب الدولة. كيف يمكن لقوات نظامية أن تحقق حسمًا عسكريًا وهي تعمل في بيئة مليئة بـ “الألغام البشرية” التي تعطل العمل وتكشف الخطط؟ إن هذا الواقع يؤكد أن معركة الحسم تبدأ أولاً من داخل الغرف المغلقة، بتطهير مؤسسات الدولة.
الخطر الأكبر يكمن في إهدار الوقت والمجاملات؛ فـ “زمن المجاملات انتهى”. يجب أن يبدأ تطهير الصف الداخلي بجدية وحزم، وبلا هوادة، بدءًا من أعلى المستويات، وصولًا إلى البعثات الدبلوماسية التي قد تكون ثغرة أخرى لتسريب المعلومات وتشويه المواقف الوطنية.
بالتوازي مع ضرورة الحسم الداخلي، تأتي الرسالة الأخرى لتضع المشهد الدولي في سياقه الحقيقي والمخيب للآمال. فـ “من يقرأ بيانات مجلس الأمن يدرك أن العالم لا يغير أدواته، بل يكررها بصياغات مختلفة”. إن قرارات الإدانة والشجب والدعوات إلى التهدئة، رغم أهميتها الشكلية، تظل دائمًا “تتوقف عند حدود النص، لا عند دماء الضحايا”. هذا التعبير يختصر عقودًا من التجارب المريرة مع المنظومة الدولية التي غالبًا ما تتلكأ في اتخاذ قرارات حقيقية تلزم الأطراف بوقف النزيف.
إن الاعتماد على البيانات الخارجية كـ “حماية” أو كـ “مفتاح للحسم” هو رهان خاسر. “الحقيقة أن الحسم في حرب السودان لن يُصنع بقرار أممي”. لقد أثبتت التجارب التاريخية، محليًا ودوليًا، أن القوة الوحيدة القادرة على إنهاء الصراع هي “الإرادة الداخلية الموحدة”. هذه الإرادة يجب أن تكون قادرة على صيانة سيادة الدولة ورفض أي تدخل أو إملاءات تهدف إلى تفكيك القرار الوطني، وفرض كلمة الدولة على الجميع بالتأكيد على سلطة القانون والنظام في كل شبر من الأراضي السودانية، إن العالم لن يحمي من لم يملك زمام قراره ويسيطر على أرضه. “فمن لم يملك قراره في الداخل، لن تحميه بيانات الخارج”.
إن الأزمة السودانية الراهنة هي دعوة مزدوجة للحسم: حسم داخلي وحسم ميداني. لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، فمن ناحية تطهير الجسد، على القيادة الوطنية أن تتخذ قرارات صعبة وشجاعة لإجراء غربلة جذرية للمؤسسات. فبدون اقتلاع جذور الخيانة والتغلغل، ستبقى كل خطوة عسكرية أو مدنية مكشوفة ومحكوم عليها بالفشل، بجانب الاعتماد على الذات، ويجب توجيه الطاقات الوطنية نحو توحيد الصفوف وبناء جبهة داخلية صلبة وواعية، تدرك أن مصير البلاد يقرره أبناؤها على الأرض، وليس خلف الموائد المستديرة في العواصم البعيدة.
إن الطريق إلى استعادة الاستقرار والسيادة يبدأ بالاعتراف بأن العدو قد يكون في أي مكان، حتى في الصفوف الأمامية للدفاع عن الوطن. الحسم الحقيقي هو فرض الإرادة الوطنية، بدءًا من تطهير الصف الداخلي، وانتهاءً بفرض السيطرة الكاملة على كل تراب السودان.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.