منصة السودان الاخبارية
معك في كل مكان

شيخ العرب.. قاضٍ من طراز فريد

بقلم : امين محمد الجاك عامر

وأنا في بُعدي وغربتي عن الوطن وأهله أطالع بكل إعجاب واهتمام المقالات التي كُتبت في حق فضيلة مولانا العالم إمبلي بابكر أحمد،قاضي المحكمة العليا، وأجدني أستعيد كثيراً من الذكريات والمواقف التي جمعتني به، والتي تجعلني أكثر اقتناعاً بأن كل ما كُتب عنه  مهما بلغ من جميل القول، لن يوفيه حقه.

يحلو لنا  عندما نلتقيه أن نخاطبه باسم «شيخ العرب»  وهي الكنية التي اشتهر بها  والتي أراها قد انطبقت عليه تماماً؛ فهو بالفعل شيخ عرب وأخو إخوان، حلو اللسان، كريم الخصال، واسع الصدر مهاب الحضور قريب النفس، يجمع بين الوقار والبشاشة، وبين قوة الشخصية ودماثة الخلق.

كانت أولى مرات لقائي به والتعرف عليه في بداية تسعينيات القرن الماضي، عندما كنت في ريعان الشباب، وفي مرحلة شهدت صدور تشريعات جديدة وتعديلات مهمة في القوانين الجنائية كان مولانا إمبلي يومها قاضياً مقيماً بمحكمة سنجة.

وفي تلك الفترة، كانت هناك قضية جنائية شغلت المنطقة وأرقت مضجع أهلها، وقد صدر فيها حكم بالإعدام في مواجهة عدد من المتهمين، وكُلِّفت بالدفاع عنهم في مرحلة الاستئناف. ولأن القضية كانت تستوجب الاطلاع على ملفها ومستنداتها، توجهت إلى سنجة في الصباح الباكر قادماً من ود مدني.

وعندما علم مولانا أنني قادم من ود مدني وأن الغرض من حضوري هو الاطلاع على أوراق القضية، أشرَّ على طلبي، ووجّه موظفي المحكمة إلى تسهيل مهمتي وتقديم كل ما يعينني على أداء واجبي، بل كان حريصاً على أن أتمكن من إنجاز مهمتي والعودة إلى ود مدني قبل نهاية الدوام.

وقد وجدت منه يومها كل العون والتعاون، في موقف لم أنسه، ولم أعتبره مجرد إجراء إداري، وإنما رأيت فيه صورة مبكرة لرجل يؤمن بأن العدالة لا تكتمل إلا بتمكين كل طرف من أداء واجبه، وأن القاضي، وإن كان سيد منصة القضاء، فإنه في الوقت ذاته حارس للحقوق وضامن لحسن سير العدالة.

مرت السنوات، وجاء مولانا إمبلي إلى ود مدني قاضياً بمحكمة الاستئناف. ومن خلال وجوده بيننا في المدينة، أصبحنا نلتقيه من وقت لآخر، وتوطدت معرفتنا به أكثر. ولم يكن ما عرفناه عنه من خلال اللقاءات والمجالس أقل قيمة مما عرفناه عنه من خلال أحكامه ومذكراته القانونية الرصينة التي خطها يراعه.

هناك  في محراب القضاء  تعرفنا عليه أكثر وأكثر؛ قاضياً متمكناً من أدواته، عميق النظر، دقيق العبارة، قوي الحجة، يزن الأمور بميزان القانون والعدل، ولا يكتفي بظاهر المسألة، وإنما يغوص في أعماقها حتى يبلغ جوهرها.

كانت أحكامه ومذكراته القانونية مدرسة قائمة بذاتها؛ لغة رصينة، وتسبيب محكم، وإحاطة بالمسألة القانونية من مختلف جوانبها، مع حرص ظاهر على أن تكون العدالة هي الغاية التي ينتهي إليها اجتهاده.

ولعل أجمل ما في سيرة مولانا إمبلي بابكر أحمد أن صورته لم تتشكل في أذهان الناس من خلال منصبه القضائي وحده، وإنما اكتملت من خلال إنسانيته في التعامل،وكرمه في المعاشرة، وسعة صدره، وحلو حديثه، ومواقفه التي تظل عالقة في الذاكرة حتى بعد أن تمضي السنوات.

ومن على البعد، ونحن نعيش مرارة الغربة عن الوطن وأهله، نقرأ ما يُكتب عن أمثال هؤلاء الرجال فنشعر أن بعضاً من الوطن ما زال حاضراً في الذاكرة، وأن سير الرجال الذين تركوا أثراً طيباً في حياة الناس تظل جسراً يصل الماضي بالحاضر، ويذكّرنا بأن السودان، رغم كل ما أصابه، ما زال عامراً برجالٍ يستحقون أن تُروى سيرتهم وأن تحفظ الأجيال أسماءهم ومواقفهم.

وكل ما كتبناه وما سيُكتب عن شيخ العرب لن يوفيه حقه؛ فبعض الرجال لا تكفي الكلمات لوصفهم، وإنما تشهد لهم مواقفهم، وأحكامهم، وسيرتهم بين الناس.

حفظ الله مولانا إمبلي بابكر أحمد، وأطال عمره في الخير والعطاء، وجزاه عن العدالة وأهلها خير الجزاء، فقد كان وسيظل في ذاكرة من عرفوه قاضياً من طراز فريد، وإنساناً نبيلاً، وشيخاً للعرب وأخاً للإخوان.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.