متابعة _ منصة السودان _
يواصل الجنيه السوداني تراجعه الحاد أمام العملات الأجنبية، مسجلاً مستويات تاريخية جديدة في السوق الموازية خلال الأيام الأخيرة، وسط اتساع واضح للفجوة بين أسعار الصرف في السوق غير الرسمية والبنوك التجارية، ما يعكس أزمة ثقة متفاقمة في العملة الوطنية واختلالات هيكلية عميقة في الاقتصاد.
فقد بلغ سعر الدولار في السوق الموازية ما بين 4700 إلى 5000 جنيه، مع تسجيل بعض التعاملات مستويات أعلى في حالات الطلب المرتفع، بينما تختلف أسعار البنوك التجارية بشكل واضح، حيث تتراوح في نطاق أدنى بكثير، ما بين ( 3000 – 3650)، ما يكرّس تعدد أسعار الصرف ويضعف فعالية السياسة النقدية.
هذا التباين الكبير بين السوق الموازية والبنوك يعكس واقعاً اقتصادياً مضطرباً، حيث لم تعد الأسعار الرسمية للبنوك قادرة على استيعاب الطلب الحقيقي على النقد الأجنبي، ما يدفع جزءاً كبيراً من التعاملات إلى خارج النظام المصرفي.
أولاً: لماذا ينهار الجنيه؟.
يرى محللون أن تراجع الجنيه السوداني لا يعود إلى سبب واحد، بل إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها:
1. اختلال ميزان العرض والطلب على النقد الأجنبي
يعتمد السودان بشكل واسع على الاستيراد، في حين لا تزال حصائل الصادرات أقل من مستوى الطلب، ما يخلق فجوة دائمة في سوق النقد الأجنبي.
2. ضعف الثقة في العملة الوطنية، في ظل اتساع التوقعات السلبية يدفع الأفراد والشركات إلى تحويل مدخراتهم إلى الدولار أو الذهب، ما يزيد الضغط على سعر الصرف.
3. توسع الكتلة النقدية وضعف الإنتاج، بسبب زيادة الإنفاق العام والاعتماد على التمويل بالعجز أدى إلى ضخ كميات كبيرة من الجنيهات دون مقابل إنتاجي أو تدفقات دولارية كافية.. ورغم أن عملية استبدال العملة قد عالجت إشكالية العملات المزيفة الواردة من مناطق سيطرة المليشيا، إلا أن الطريقة التي تمت بها مؤخراً خلقت أزمة كبيرة في السيولة.
4. تعدد أسعار الصرف، أدى إلى وجود فجوة كبيرة بين السوق الموازية والبنوك خلق بيئة خصبة لتشوهات السوق، وأضعف دور القطاع المصرفي في ضبط حركة النقد الأجنبي.
هل تتحمل الحكومة المسؤولية؟
تشير القراءة الاقتصادية إلى أن السياسات الحكومية ساهمت في الأزمة عبر عدة مسارات:
أهمها الاعتماد على الإنفاق التوسعي دون قاعدة إنتاجية كافية.. ويتهم بعض المراقبين الحكومة بالتسبب في ازمة الجنيه من خلالها جمعها الدولار من السوق لسد احتياجات مشترياتها.
كما أن ضعف إدارة سوق النقد الأجنبي وتعدد أسعار الصرف، وتذبذب السياسات المالية والنقدية على مدى سنوات، إلى جانب محدودية أدوات جذب التحويلات الخارجية عبر النظام المصرفي، كانت من العوامل التي أسهمت في إنتاج الأزمة.
لكن هذه العوامل، رغم أهميتها، لا تعمل بمعزل عن بنية الاقتصاد نفسه، الذي يعاني من ضعف الإنتاج والتصدير وتراجع الاستثمار.
دور المضاربات في تسريع الانهيار
تلعب المضاربات في السوق الموازية دوراً محورياً في تسريع تدهور الجنيه، لكنها ليست السبب الجذري.
فعندما ترتفع التوقعات بانخفاض العملة؛ يزداد الطلب على الدولار كأداة ادخار، ويحتفظ التجار بالنقد الأجنبي بدلاً من ضخه في السوق، فتنتشر عمليات الشراء الاحترازية، وتتسع الفجوة بين السعر الحقيقي والسعر المتداول.
وبذلك تتحول المضاربة إلى عامل مُسرّع للأزمة، يستفيد من الاختلالات القائمة لكنه لا يصنعها من الصفر.
تقييم المعالجات الحكومية
اتجهت الحكومة خلال الفترة الأخيرة إلى إجراءات تهدف إلى تقليص الأزمة، أبرزها؛ تشديد الرقابة على صادرات الذهب، ومحاولة زيادة حصائل النقد الأجنبي عبر البنوك، وحظر بعد الواردات التي اعتبرتها الدولة كماليات تستهلك العملة الصعبة، بالإضافة إلى السعي لجذب استثمارات خارجية في قطاعات التعدين والزراعة، وتحسين أنظمة الدفع والتحويل الإلكتروني.
ورغم أهمية هذه الخطوات، إلا أن أثرها ظل محدوداً، لأنها ركزت على ضبط السوق أكثر من معالجة جذور الأزمة المرتبطة بالإنتاج والصادرات.
ما المطلوب لإنعاش الجنيه؟
يرى خبراء الاقتصاد أن استقرار العملة يحتاج إلى حزمة إصلاحات أعمق، أبرزها:
– تعزيز الصادرات ذات القيمة المضافة وليس المواد الخام فقط.
– إنشاء آليات شفافة لتسعير وتداول الذهب عبر قنوات رسمية.
– استقطاب تحويلات المغتربين عبر أدوات استثمارية مجزية.
– تقليص الواردات غير الضرورية وتوسيع الإنتاج المحلي.
إصلاح النظام المصرفي واستعادة الثقة فيه عبر أسعار صرف واقعية.
يعكس التدهور الحالي للجنيه السوداني أزمة اقتصادية مركبة تتداخل فيها عوامل هيكلية تتعلق بالإنتاج والميزان التجاري، مع عوامل نقدية وسياسات مالية غير مستقرة، إلى جانب دور المضاربات في تضخيم التقلبات.
وبينما تظل المعالجات الحكومية خطوة في الاتجاه الصحيح، فإن استقرار العملة يظل مرهوناً بقدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي بشكل مستدام، وتقليص الفجوة بين السوق الموازية والنظام المصرفي، وإعادة بناء الثقة في الجنيه بوصفه أداة ادخار وتبادل.