منصة السودان الاخبارية
معك في كل مكان

على أعتاب الرحيل… تأملات في ضيافة القاهرة ودفء العلاقات السودانية المصرية

بقلم – محمد عثمان الرضي
في مساء الثلاثاء الرابع والعشرين من فبراير 2026، الموافق السادس من شهر رمضان المبارك، وجدت نفسي في صالة المغادرة بمطار سفنكس الدولي، الواقع على الطريق الرابط بين القاهرة والإسكندرية، وعلى بُعد نحو أربعين كيلومتراً من قلب العاصمة المصرية. لحظة تأمل صامتة تختلط فيها مشاعر الامتنان بالحنين، وأنا أتهيأ لمغادرة أرضٍ احتضنتني بمحبة صادقة.
أتوجه اليوم إلى الأراضي المقدسة لأداء شعيرة العمرة عبر شركة نسمه للطيران، في رحلة تستغرق قرابة ثلاث ساعات إلى مطار جدة. وبين وداع القاهرة واستقبال مكة، مساحة زمنية تختزن ذكريات ثرية وتجربة إنسانية عميقة.
كنت قد وصلت إلى القاهرة في السادس من فبراير قادماً من بورتسودان عبر شركة تاركو للطيران، ومكثت نحو ثمانية عشر يوماً كاملة. أيام مضت سريعاً، لكنها كانت حافلة باللقاءات والمشاهدات والانطباعات التي يصعب اختزالها.
بعد غياب دام قرابة عشرة أعوام عن مصر، لفت انتباهي حجم التحولات الكبيرة في مشروعات البنية التحتية، خاصة في شبكات الطرق والكباري، بما يعكس رؤية تنموية واضحة وإرادة سياسية ماضية في تحديث الدولة وتعزيز قدراتها.
مطار سفنكس الدولي يمثل إضافة نوعية للبنية الجوية المصرية، إذ يسهم في تخفيف الضغط عن المطارات الرئيسية وتسهيل حركة السياحة الوافدة، لاسيما أن قطاع السياحة يظل أحد أهم الموارد الداعمة للاقتصاد الوطني المصري.
رافقتني إلى المطار السيارة التابعة لسفارة السودان بجمهورية مصر العربية، وكان في استقبالي عند المدخل ضابط العلاقات العامة والمراسم الأستاذ صالح إبراهيم، الذي أدار إجراءات السفر باحترافية وسلاسة تعكس خبرة متراكمة منذ التحاقه بالقسم عام 1995.
الأستاذ صالح، المنحدر من مدينة مروي بالولاية الشمالية، والمولود في مصر عام 1966، يجسد نموذجاً مشرفاً للكفاءات السودانية التي جمعت بين الانتماء الوطني والاندماج الإيجابي في بيئة العمل.
وخلال إقامتي بالقاهرة، غمرتني أرض الكنانة بفيض من الكرم والمودة. شعرت أنني بين أهلي، وأن روابط التاريخ والجغرافيا بين الشعبين السوداني والمصري ليست مجرد شعارات، بل واقع معاش في تفاصيل الحياة اليومية.
أتقدم بخالص الشكر للزميل إبراهيم عويس، مالك موقع النورس نيوز، الذي استضافني بمنزله في حي فيصل، وأحاطني بحفاوة بالغة تعكس أصالة السودانيين في المهجر.
كما وجدت من الزميل الصحفي الأستاذ الهندي عزالدين ورفاقه كل اهتمام وتقدير، في مشهد يجسد روح التضامن المهني والإنساني بين أبناء الوطن الواحد.
ولا يفوتني أن أذكر الأستاذ محمد عبدالقادر، رئيس تحرير صحيفة الكرامة ومستشار رئيس الوزراء، الذي رغم ظروفه الصحية حرص على لقائي وتكريمي، في موقف يعبر عن نبل الأخلاق وعمق العلاقات الإنسانية.
كانت منطقة الحنفية بحي فيصل محطة يومية للقاء الأحبة والأصدقاء، خاصة أبناء شرق السودان، حيث المقاهي ذات الطابع الشرقي التي تحولت إلى فضاءات للتواصل وتبادل الرأي واستعادة دفء الديار.
الزميلان مروان ومنيب السنهوري قدما نموذجاً راقياً للإعلاميين الشباب، بحضور مهني وإنساني لافت، كما كان لوالدتهما الفاضلة بصمة خاصة حين أصرت على استضافتنا في إفطار أول أيام رمضان، في أجواء أسرية عامرة بالمودة.
وشرفت بالمشاركة في إفطار رمضاني أقامه سعادة السفير عماد عدوي بمنزله في حي المعادي، في مناسبة عكست روح الانفتاح والتواصل التي تحرص عليها البعثة الدبلوماسية السودانية بالقاهرة.
وقد زاد اللقاء بهاءً بحضور معالي وزير العدل مولانا عبدالله درف، حيث دار نقاش ثري حول قضايا الوطن وتحديات المرحلة، في أجواء يسودها الاحترام والمسؤولية الوطنية.
كما أود الإشادة بالأستاذة دعاء، سكرتيرة السفير، التي ظلت على تواصل دائم للاطمئنان على ترتيبات الزيارة والمغادرة، في صورة تعكس احترافية عالية وروحاً إنسانية راقية في التعامل مع الضيوف.
ولعب الأستاذ أحمد، وكيل ناظر البني عامر ونائب رئيس الجالية السودانية بمصر، دوراً مهماً في متابعة قضايا السودانيين، حيث يكرس جهده اليومي لخدمة أبناء الجالية والتخفيف من معاناتهم.
وتبرز جمعية “إقل عدنا” كمبادرة مجتمعية فاعلة في القاهرة، يقودها شباب نذروا أنفسهم لخدمة أهلهم في مختلف المجالات الإنسانية، فاستحقوا التقدير والاحترام.
كما أن للرئيس الفخري للجمعية، وزير الشؤون الدينية والأوقاف السابق دعمر بخيت، حضوراً مؤثراً في دعم الأنشطة المجتمعية، مؤكداً أن خدمة الناس مسؤولية مستمرة لا ترتبط بموقع رسمي فحسب.
لم تكن مغادرة القاهرة قراراً سهلاً، فقد تعلقت النفس بأجوائها وبساطة أهلها وصدق مشاعرهم. لكن للرحيل سننه، وللأسفار حكمتها.
تبقى مصر، بحق وحقيقة، بلداً يحتضن ضيوفه بمحبة، ويمنحهم شعور الأمان والانتماء، ويؤكد في كل مرة أن العلاقات السودانية المصرية أكبر من الحدود، وأعمق من الظرف السياسي، وأبقى من تعاقب الأزمنة.
وها أنا أغادر أرض الكنانة مؤقتاً، على يقين بأن بيني وبينها موعداً يتجدد، ما دامت وشائج الأخوة قائمة، وما دام القلب معلّقاً بضفاف النيل.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.