بقلم – محمد سنهوري الفكي الامين
في عالمنا المعاصر، لم يعد الذهب أو النفط هما الموردين الأكثر ندرة وقيمة، بل أصبح “انتباهك” هو العملة الصعبة التي تتصارع عليها كبرى الإمبراطوريات التكنولوجية والعلامات التجارية العالمية. نحن نعيش اليوم في ذروة ما يسمى “اقتصاد الانتباه”، وهو المفهوم الذي يرى أن القدرة البشرية على التركيز هي مورد محدود في بحر متلاطم من المعلومات اللامتناهية. إن كل ثانية تقضيها في التمرير عبر شاشة هاتفك، وكل دقيقة تمنحها لمقطع فيديو، هي في الحقيقة “تحويل بنكي” غير مرئي يصب في خزائن من استطاعوا فك شفرة الوصول إلى عقلك. هذا الاقتصاد الجديد لم يغير فقط طريقة استهلاكنا للمحتوى، بل أعاد صياغة مفهوم النجاح المالي، محولاً المبدعين من مجرد هواة إلى أباطرة يمتلكون مفاتيح التأثير والثروة في القرن الحادي والعشرين.
لننظر مثلاً إلى ظاهرة “مستر بيست” (MrBeast)، الشاب الذي وصفه النقاد بأنه “موزارت اقتصاد الانتباه”. جيمي دونالدسون لم يكتفِ بكونه صانع محتوى يتابعه الملايين، بل أدرك مبكراً أن الانتباه الذي يحصده هو أصل تجاري يمكن تحويله إلى إمبراطورية اقتصادية. من خلال فهمه العميق لخوارزميات اليوتيوب وسيكولوجية المشاهد، استطاع بناء علامات تجارية مثل “فيستابلز” (Feastables) للشوكولاتة، والتي حققت مبيعات خيالية في وقت قياسي، ليس لأنها الأفضل مذاقاً بالضرورة، بل لأنها تمتلك “انتباه” الجمهور قبل أن تصل إلى أرفف المتاجر. إن نجاح مستر بيست يكمن في تحوله من “مستأجر” للانتباه عبر الإعلانات، إلى “مالك” للمنصة والقناة التي يتدفق من خلالها العملاء، وهو درس بليغ في كيفية تطويع أدوات العصر لتحقيق تفوق كاسح يتجاوز النماذج التقليدية للأعمال.
المزيد من المشاركات