بقلم – جدية عثمان
في محاولة لكسر جدار الصمت الدولي نظّمتُ زيارة ميدانية لوفد من الصحفيين البريطانيين إلى السودان عبر شركتى الخاصة الشركة العربية الدولية للاعلام ، انطلقت من بريطانيا و صولا إلى بورتسودان و الخرطوم و مخيمات لاجئين في نوفمبر الماضي بهدف الوقوف ميدانيا على أوضاع مخيمات اللاجئين، وحجم الدمار الذي خلفته الحرب، والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها الميليشيات بحق المدنيين.
الزيارة لم تكن بروتوكولية أو عابرة بل جاءت لتضع الصحفيين أمام الحقيقة المجردة مدن مدمرة قرى أُحرقت عائلات شُردت، وجرائم شملت القتل والاغتصاب والنهب في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم المعاصر. كان الهدف واضحا، أن يكون هؤلاء الصحفيون شهود عيان وأن ينقلوا صوت المواطن السوداني ومعاناته للعالم بكل شفافية ومهنية.
وقد أثمرت هذه الزيارة عن التغطيات المباشرة من مكان الحدث و نشر العديد من المقالات والتحقيقات الصحفية في وسائل إعلام بريطانية ودولية عكست بصدق ما شاهده الوفد على الأرض من تهجير قسري وتشريد جماعي وانتهاكات ممنهجة طالت المدنيين في ظل صمت دولي مقلق.
وفي امتداد طبيعي لهذه الجهود، أُقيمت مائدة مستديرة داخل House of Lords في البرلمان البريطاني ضمن الفعاليات التي ينظمونها بعنوان
«السودان عند نقطة تحول: حالة الطوارئ الإنسانية والنداء العاجل لإنهاء الحرب وحماية النساء والفتيات».
شارك في هذه المائدة الصحفيون والباحثون والمهتمون بالشأن السوداني، وكان من أبرز المتحدثين الكاتب والصحفي البريطاني Peter Oboene، الحائز على عدة جوائز صحفية، وصاحب إسهامات بارزة في تغطية الحروب وإصدار عدد من الكتب المهمة.
أوسبون كان أحد أعضاء الوفد الصحفي الذي زار السودان، وكتب سلسلة من المقالات التي وثّقت ما رآه بعينه. وخلال جلسة البرلمان ، عبّر عن شجاعة استثنائية وصدق مهني عال ناقلا بوضوح ما شاهده بنفسه خلال الزيارة. وأكد دون أي مواربة أن ما يحدث في السودان يُعد إبادة جماعية، مشيرًا إلى أن ميليشيا الدعم السريع ترتكب فظائع جسيمة بحق المدنيين والشعب السوداني بمساعدة دولة الإمارات.
كان موقفه بالغ الجرأة، وصوته صادقا ومسؤولا، عكس التزاما أخلاقيا ومهنيا نادرا في زمن تتراجع فيه مواقف كثيرين أمام الحسابات السياسية. شهادته لم تكن مجرد رأي، بل توثيق مباشر لمعاناة شعب يقتل ويُهجر أمام أنظار العالم.
إن هذه الزيارة، وما تلاها من تغطيات صحفية ونقاشات داخل البرلمان البريطاني، تمثل خطوة مهمة نحو إعادة وضع السودان في صدارة الاهتمام الدولي، وتؤكد الدور الحيوي للصحافة الحرة في نقل الحقيقة والدفاع عن ضحايا الحروب، حين يفشل السياسيون في القيام بواجبهم.
