بقلم – علي فوزي
شهدت مصر خلال الفترة الأخيرة جدلًا واسعًا حول أوضاع السودانيين المقيمين على أراضيها، في أعقاب حملات تنظيم الوجود الأجنبي، والتي جاءت في إطار إجراءات سيادية تستهدف ضبط الأوضاع القانونية وتعزيز الاستقرار الأمني، في ظل بيئة إقليمية شديدة الحساسية.
وتزامن ذلك مع تداول معلومات أمنية عن وجود عناصر غير نظامية، من بينها أفراد يُشتبه في انتمائهم إلى مليشيا الدعم السريع، ما أعاد ملف الوجود السوداني إلى صدارة النقاش العام، بوصفه ملفًا يتقاطع فيه الإنساني بالأمني، والسياسي بالاجتماعي.
في الوقت ذاته، برزت أزمة المدارس السودانية في القاهرة، بما تحمله من أبعاد تعليمية وتنظيمية تمس آلاف الأسر، لتضيف مزيدًا من التعقيد إلى مشهد متشابك بطبيعته.
السوشيال ميديا… ساحة الانقسام المفتوح
على منصات التواصل الاجتماعي، انقسمت الآراء بحدة.
فريق رأى في الإجراءات المصرية تضييقًا على لاجئين فرّوا من الحرب، واعتبر أن بعض الممارسات تفتقر إلى المرونة المطلوبة في التعامل مع أزمة إنسانية ممتدة.
في المقابل، دافع فريق آخر عن الموقف المصري، معتبرًا أن الدولة تتحرك وفق حقها السيادي في تنظيم الوجود الأجنبي، خاصة في ظل ضغوط اقتصادية وأمنية متزايدة، وأن استضافة أعداد كبيرة من السودانيين تمت دون مخيمات أو عزل اجتماعي، في نموذج وصفه البعض بـ«الاستيعاب المفتوح».
هذا الانقسام لم يبقَ في إطار النقاش الشعبي، بل امتد ليشمل تقييم أداء المؤسسات الرسمية.
السفارة السودانية تحت المجهر
وسط تصاعد الجدل، وُجّهت انتقادات إلى السفارة السودانية بالقاهرة، حيث اتهمها بعض السودانيين بالتباطؤ أو ضعف التأثير، مطالبين بتدخل أكثر فاعلية لحماية الجالية، لا سيما في ملفات الإقامة والترحيل والتعليم.
في مقابل موجة الانتقادات، يبرز رأي مغاير يرى أن تحميل السفارة السودانية بالقاهرة مسؤولية أزمة بهذا التعقيد يفتقر إلى قراءة واقعية لطبيعة المشهد السوداني الراهن. فالأزمة، وفق هذا الطرح، ليست نتاج خلل دبلوماسي بقدر ما هي انعكاس مباشر لحرب مفتوحة أدت إلى تفكك مؤسسات الدولة، وتوقف كثير من أدوات الحماية الرسمية للمواطنين داخل البلاد وخارجها.
ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن السفارات، بحكم الأعراف الدولية، لا تملك سلطة تنفيذية داخل الدولة المضيفة، ولا تستطيع تجاوز قوانينها أو فرض استثناءات خارج الأطر القانونية المعتمدة، وإنما يقتصر دورها على الوساطة، والتواصل المؤسسي، وفتح القنوات الرسمية لمعالجة الحالات الإنسانية في حدود الممكن والمتاح.
كما يشير هذا الاتجاه إلى أن السفارة السودانية بالقاهرة تعمل في ظرف استثنائي غير مسبوق، حيث تحولت من بعثة دبلوماسية تقليدية إلى نقطة ضغط إنساني وقنصلي تخدم أعدادًا ضخمة من المواطنين، في ظل شح الموارد، وغياب الدعم المؤسسي من دولة تعاني أصلًا من حرب وانقسام.
ويرى هذا الفريق أن تقييم أداء السفارة يجب أن ينطلق من فهم هذه القيود الموضوعية، لا من مقارنته بظروف طبيعية لدولة مستقرة، معتبرين أن جزءًا كبيرًا من الغضب الشعبي موجّه في جوهره إلى الحرب ذاتها، لكنه يُسقَط أحيانًا على واجهات دبلوماسية تتحرك في مساحة ضيقة بين القانون والإنسان.
مؤتمر السفارة… محاولة لتوضيح الصورة
ردًا على هذه الانتقادات، عقد السفير السوداني بالقاهرة، الفريق ركن عماد الدين مصطفى، مؤتمرًا بحضور مسؤولي السفارة، استعرض خلاله حجم الجهود القنصلية والدبلوماسية المبذولة، بالأرقام والوقائع، في ملفات شملت الإقامات، والطلاب، والمحتجزين، والخدمات القنصلية.
ورغم أن المؤتمر قُوبل بارتياح لدى قطاع من الجالية باعتباره خطوة نحو الشفافية، إلا أن غياب الصحفيين المصريين عنه أثار انتقادات إعلامية، أعادت فتح باب التساؤلات حول أسلوب إدارة الأزمة إعلاميًا.
شهادة من داخل الدبلوماسية
المزيد من المشاركات