يُعدّ اليوم الدولي للمتطوعين، الذي يُحتفل به في الخامس من ديسمبر من كل عام تحت مظلة الأمم المتحدة، مناسبة عالمية لتسليط الضوء على الدور المحوري لمليار متطوع حول العالم، الذين يبذلون وقتهم ومهاراتهم وجهدهم طوعاً لصون الصالح العام، دون انتظار مقابل مادي. إنّ التطوع، بوصفه قوة حية ومرنة، يجسّد قيم الإرادة الحرة والتضامن والتعاطف، ويشكل أحد أهم الآليات لتحقيق التحولات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تقود إلى التنمية المستدامة والسلام العالمي.
في خضم التحديات الجسام التي تواجه السودان اليوم، وفي ظل الظروف القاسية التي فرضتها الحرب، يصبح الحديث عن التطوع ليس مجرد مبادرة نبيلة، بل ضرورة وطنية قصوى ورافعة أساسية لإعادة الإعمار والتماسك المجتمعي. إنّ شعار هذا العام «كل إسهام يصنع فارقًا» يجد صداه الأعمق في واقعنا السوداني الراهن.
يتمتع الشباب السوداني، سواء داخل البلاد أو في مناطق اللجوء والنزوح كمصر وغيرها، بطاقة هائلة وإبداع وقدرة على الاحتمال. إنّ توجيه هذه الطاقات نحو العمل التطوعي المنظم والممنهج يُمكن أن يحقق قفزات نوعية في عدة مجالات ومنها الدعم الإنساني والإغاثة ففي داخل السودان، يواصل الشباب دوره التاريخي في إيصال المساعدات، وإدارة مراكز الإيواء، وتقديم الدعم النفسي للمتضررين، مما يسد الفجوات التي قد تعجز عن سدها المؤسسات الرسمية في ظل تعقيدات النزاع، وإعادة الإعمار والتعافي ويشمل ذلك تنظيف الأحياء، ترميم المرافق الأساسية المدمرة كالمدارس والمراكز الصحية، والمساهمة في استعادة الخدمات المجتمعية، بالاضافة الى التوثيق وحفظ الذاكرة، ويلعب الشباب دوراً في توثيق الانتهاكات وتوثيق قصص الصمود، وهو عمل تطوعي ذو أهمية قصوى للعدالة الانتقالية والمستقبل.
أما بالنسبة للشباب السوداني المتواجد خارج البلاد، وخاصة في مصر التي استقبلت أعداداً كبيرة نتيجة الحرب، فإنّ دورهم التطوعي لا يقل أهمية، بل قد يكون أكثر تأثيراً في بعض الجوانب. هذا الدور يتخذ أشكالاً متعددة ومنها التطوع الرقمي والافتراضي فيمكن للشباب المتخصص في الخارج استخدام المنصات الرقمية لتقديم الدعم الفني، والتعليم عن بعد، والمشورة الصحية والقانونية للمتضررين داخل وخارج السودان.
هذا النوع من التطوع (التطوع عبر الإنترنت) هو شكل معاصر ومتاح للجميع، بالاضافة الى بناء الجسور والدعم اللوجستي، فيعملون كحلقة وصل مهمة بين المنظمات الدولية والمجتمعات السودانية، ويساهمون في تنظيم حملات جمع التبرعات والمساعدات، وتسهيل إيصالها إلى المستحقين.
الحفاظ على الهوية والتراث في بيئات اللجوء، يضطلع الشباب بمهمة تنظيم الأنشطة الثقافية والاجتماعية التي تحافظ على التماسك المجتمعي والهوية السودانية، ويقدمون الدعم لأفراد مجتمعهم في بلدان الإقامة، فإنّ تعظيم دور الشباب المتطوعين يتطلب من الهيئات الوطنية والإقليمية والدولية (مثل برنامج متطوعي الأمم المتحدة) دمج العمل التطوعي في استراتيجيات التنمية الوطنية وتقديم الدعم اللوجستي والتدريب اللازم لهذه المجموعات.
إنّ السودان اليوم بحاجة ماسة لثقافة أعمق للخدمة العامة، وهي ثقافة يزرعها وينميها المتطوعون. في ظل إطلاق السنة الدولية للمتطوعين من أجل التنمية المستدامة (2026)، ندعو إلى إطلاق حراك وطني واسع النطاق للاعتراف بدور الشباب السوداني وتمكينهم. يجب أن يكون التطوع هو القوة الدافعة لمرحلة ما بعد الحرب، لضمان أن يكون الناس هم فاعلين في التغيير وشركاء متساوين في تحقيق التقدم نحو التنمية البشرية والسلام.
إنّ الاستثمار في العمل التطوعي للشباب السوداني، سواء بالداخل أو في المهجر، هو استثمار في صمود الوطن ومستقبله. فـ كل مساهمة تصنع فارقاً، ومستقبل السودان يُبنى بسواعد أبنائه المتطوعين.
بات من الضروري التساؤل: هل حان الوقت لمراجعة شاملة لآلاف المنظمات والجمعيات الإنسانية والخيرية، المسجلة رسمياً لدى الجهات الاتحادية والولائية المتخصصة، والتي غابت كلياً عن المشهد ولم تظهر لها فاعلية تُذكر في التعامل مع أزمات السودان، وخاصة تداعيات الحرب الأخيرة؟.