منصة السودان الاخبارية
معك في كل مكان

كن سفيرًا للمنتج السوداني

مقال – م.صلاح غريبة –
شهد السودان سنوات عجافًا، أتت فيها ويلات الحرب على الأخضر واليابس، ودمرت ما قامت به الأيدي من مصانع ومشاريع. واليوم، ونحن على أعتاب مرحلة جديدة، مرحلة إعادة الإعمار، يبرز تساؤل مهم وحيوي: كيف يمكننا أن نعيد بناء اقتصادنا من جديد؟ هل نعتمد على ما يأتينا من الخارج، أم نمد أيادينا لندعم ما هو “منّا وفينا”؟

في هذه المرحلة المصيرية، لم يعد دعم المنتج المحلي مجرد خيار، بل أصبح واجبًا وطنيًا وضرورة قصوى. إنه حجر الزاوية الذي ستبنى عليه نهضتنا الاقتصادية، والطريق الأسرع نحو استعادة عافيتنا.
هل فكرت يومًا لماذا يميل المستهلك، أينما كان، إلى منتجات بلاده؟ إنه ليس مجرد شعور عابر، بل هو سلوك متأصل يمكن تسميته بـ “الاستهلاك الوطني”. هذا السلوك، الذي يدفعه شعور خفي بالانتماء والفخر، يجعلنا نفضل المنتج المصنوع على أرضنا، بأيدي أبنائنا، حتى لو كانت الخيارات الأجنبية متاحة. هذا الميل الفطري هو ما يسمى أيضًا بـ “التحيز للبيت”، حيث يشعر المستهلك بالأمان والثقة في المنتج القريب والمألوف، لأنه يراه مضمونًا.
لقد تغلغل في أذهان الكثيرين في الماضي أن “المستورد أحسن” وأن الجودة حكر على ما يأتي من الخارج. لكن اليوم، ومع تطور الصناعات المحلية في السودان رغم التحديات، بدأت تتغير هذه الصورة الذهنية. أصبح المستهلك يدرك أن المنتج السوداني لا يقل جودة عن غيره، بل قد يتفوق عليه في كثير من الأحيان، لأنه مصمم ليتوافق مع احتياجاتهم وأذواقهم المحلية.
إن قرار شراء المنتج السوداني يذهب أبعد من مجرد عملية شراء عادية؛ إنه قرار له تبعات اقتصادية واجتماعية هائلة. فعندما نشتري منتجًا محليًا، فإننا نحفز عجلة الاقتصاد، فكل جنيه يتم إنفاقه على منتج محلي يعود ليغذي الاقتصاد السوداني. هذا الدعم المباشر يساهم في تشغيل المصانع، وخلق فرص عمل جديدة للشباب، وتوفير مصادر دخل للأسر السودانية.
إن الطلب المستمر على المنتج المحلي يشجع المصانع على التوسع والابتكار، وتحسين جودة منتجاتها لتلبية توقعات المستهلكين. هذا الدعم يمثل حماية للسوق المحلية من المنافسة غير المتكافئة مع المنتجات الأجنبية، وبالتالي تعزز الشعور بالانتماء، فشراء منتج محلي الصنع يولد شعورًا بالفخر والإيمان بقدراتنا كشعب. إنه رسالة مفادها أننا قادرون على بناء ما دمره العدوان، وأننا نعتمد على أنفسنا لإعادة بناء مستقبلنا.
لقد رأينا نماذج عالمية ملهمة أدركت أهمية هذا المبدأ. فبعد دمار الحرب العالمية الثانية، لعب المستهلك الياباني دورًا محوريًا في نهضة بلاده، مفضلًا المنتج المحلي، لتولد من رحم ذلك الدمار شركات عملاقة مثل سوني و تويوتا التي أصبحت أيقونات عالمية للجودة والابتكار. وفي الصين، تحول شعار “صنع في الصين” من مجرد وسم إلى رمز للقوة الاقتصادية، بفضل دعم المواطنين لمنتجات بلادهم.
بصفتك مستهلكًا، أنت تمتلك القوة الحقيقية للتغيير. يمكنك المساهمة بشكل فعال من خلال جعل المنتج المحلي خيارك الأول، فقبل أن تمد يدك إلى منتج مستورد، ابحث عن البديل المحلي. اسأل البائع عن المنتجات المصنوعة في السودان، حتى لو كان سعرها مقاربًا. كل عملية شراء هي بمثابة صوت منك لدعم اقتصاد بلدك، وإذا أعجبك منتج سوداني، لا تتردد في التحدث عنه. شاركه مع عائلتك وأصدقائك. يمكن للمراجعات الإيجابية والترويج الشفهي أن تحدث فرقًا كبيرًا في سمعة المنتج وزيادة الطلب عليه.
قدم التغذية الراجعة البناءة بالتواصل مع الشركات المصنعة عبر قنواتها المختلفة (صفحات التواصل الاجتماعي، أرقام خدمة العملاء) وأخبرهم برأيك. أخبرهم بما أعجبك وما يمكن تحسينه. هذه الملاحظات هي كنز حقيقي يساعدهم على التطوير، وكن واعياً بالقصة، فتذكر أن وراء كل منتج سوداني قصة كفاح لعمال وموظفين سودانيين يحاولون إعادة بناء مصانعهم. دعمك ليس مجرد شراء، بل هو دعم لصمودهم وتوفير فرص عمل جديدة.
على الشركات والمصانع السودانية أن تدرك أن المستهلك سيظل وفيًا للمنتج المحلي ما دام يثق في جودته. لذا، يجب عليها الالتزام بالجودة أولاً وقبل كل شيء، ولا يمكن أن يستمر الدعم على أساس الولاء الوطني فقط. يجب أن تكون المنتجات المحلية عالية الجودة، تفي بالمعايير العالمية، وتنافس بقوة المنتجات المستوردة. “صنع في السودان” يجب أن يصبح شعارًا للجودة وليس مجرد وسم.
يجب على الشركات أن تستثمر في البحث والابتكار والتجديد المستمر والتطوير لتلبية احتياجات السوق المتغيرة. سواء كان ذلك عبر تحسين مكونات المنتج، أو تصميم عبوات جذابة وعملية، أو تطوير منتجات جديدة تلبي متطلبات المستهلك ببناء علاقة قوية مع عملائها بالتواصل الفعال. يمكن تحقيق ذلك عبر حملات تسويقية شفافة تُظهر مراحل الإنتاج، وتُبرز قصة العلامة التجارية، وتُعزز الشعور بالفخر الوطني، ويجب أن تكون أسعار المنتجات المحلية منافسة عادلة ومعقولة، مع الأخذ في الاعتبار الظروف الاقتصادية للمستهلك السوداني.
إن تعزيز ثقافة دعم المنتج المحلي هي مسؤولية مشتركة بين الجميع، أفرادًا وشركات. فكل طرف لديه دور حيوي يمكن أن يلعبه لإنجاح هذه المسيرة، فالمستهلك السوداني مدعو لأن يكون سفيرًا للمنتج المحلي، والمصنع السوداني مطالب بأن يقدم منتجًا يستحق هذا الولاء، وان نجعل من مرحلة إعادة الإعمار فرصة لإعادة بناء الثقة في قدراتنا. في كل مرة نقرر فيها شراء منتج سوداني، فإننا لا نشتري سلعة فقط، بل نشتري مستقبلًا، ونزرع بذرة أمل في أرضنا الطيبة.
إذا عملنا جميعًا كأفراد وشركات على تحقيق هذه الأهداف، يمكننا أن نحول مرحلة إعادة الإعمار إلى فرصة ذهبية لنقلة نوعية في اقتصادنا، ونبني مستقبلًا يزهو بمنتجات تحمل بصمة هويتنا السودانية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.