متابعة ـ منصة السودان ـ
أكد رئيس مجلس الوزراء د. كامل إدريس، في اول خطاب عقب أداءه القسم أن مهمته تنطلق من رؤية قومية شاملة، قائمة على العدالة، وبناء دولة القانون، وتحقيق التنمية المستدامة، واستعادة الأمن القومي وهيبة الدولة، مشيراً إلى أن المعيار الأول لنجاح المرحلة هو خدمة المواطن السوداني وتحقيق استقراره. والتزامه بالوقوف على مسافة واحدة من كافة القوى السياسية الوطنية، لكنه أشار إلى أنه لن يحتفظ بمسافة مع الشعب، بل سيكون جزءاً منه.
حجم التحديات :
وأعلن د. إدريس، وبثقة وتواضع، موافقته على تولي منصب رئيس الوزراء، موضحاً إدراكه لحجم التحديات والمسؤوليات الملقاة على عاتقه. وتعهد بالعمل بإخلاص وتفانٍ لخدمة الوطن والمواطن، من خلال تحقيق مبادئ العدالة، وسيادة القانون، والتنمية المستدامة، ومكافحة الفساد بكل أشكاله، وتحسين خدمات الماء والكهرباء، وتوفير الحاجات الأساسية للناس.
و شدد على أن الأمن القومي السوداني وهيبة الدولة تأتيان في مقدمة الأولويات، متعهداً بالقضاء التام على التمرد وجميع المليشيات المتمردة، مطالباً الدول التي تدعم هذه الجماعات بالتوقف الفوري عن التدخلات السافرة التي تُفاقم الأزمة السودانية.
دولة القانون والدستور:
و أشار ادريس إلى أن بناء دولة القانون يتطلب وجود قضاء مستقل ونيابة فاعلة ومحكمة دستورية حقيقية، بالإضافة إلى علاقات خارجية متوازنة وخاصة مع دول الجوار، والحيّزين العربي والإفريقي، إلى جانب العالم أجمع، و أوضح د. إدريس أن حكومته ستدير المرحلة الانتقالية بكفاءة عالية من خلال جهاز تنفيذي يتمتع بالقدرات والنجاعة في الأداء العام، مبينا أن تحقيق السلام الشامل في كل مناطق السودان هو أحد المرتكزات الأساسية للحكومة، مشيراً إلى أن الاستقرار الاجتماعي والسياسي هو المفتاح لتحقيق تنمية حقيقية ودائمة.
تحسين الاقتصاد ومعاش المواطن:
وأكد كامل ضرورة استنفار كل الإمكانيات الداخلية لزيادة الصادرات وتنشيط القطاعات الإنتاجية، لا سيما الزراعة والصناعات الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها المحرك الأساس لتحسين معيشة المواطن وتوفير الأمن الغذائي والاقتصادي.
وقال د. إدريس إن إعادة إعمار السودان بعد الحرب لا تقتصر فقط على البنية التحتية بل تمتد إلى هيكلة الدولة نفسها، مؤكداً أن ذلك يتطلب تضافر الجهود من كل أبناء السودان واستنفار كافة الموارد المتاحة.
حوار سوداني:
ودعا رئيس الوزراء إلى حوار سوداني شامل لا يستثني أحداً، يكون هدفه الأساس نبذ الجهوية والعنصرية وتحقيق وحدة وطنية حقيقية، مشيراً إلى أن هذا الحوار سيكون الخطوة الأولى نحو الاستشفاء الوطني الشامل.،و اختتم د. إدريس كلمته برسالة تواضع مفعمة بالإصرار، قائلاً إنه لا يسعى لمجد شخصي أو سلطة، بل يرغب في أن يكون خادماً لهذا الشعب العظيم، موضحاً أن رؤيته القومية الكاملة وآليات تنفيذها ستُطرح للنقاش والتدارس الوطني الشامل في المرحلة المقبلة.
وأكد أن مشروعه الوطني لا يمكن أن يُنجز إلا بتكاتف كل السودانيين، سواء من دعموه أو عارضوه، قائلاً: “معاً يمكن أن نخرج هذا الوطن من النفق المظلم إلى فضاء النور والكرامة”.
رؤية طموحة :
وقال المحلل السياسي دكتور ابراهيم شقلاوي ان الدكتور كامل الطيب إدريس قدم رؤية طموحة ومكثّفة لما يسعى لتحقيقه في واحدة من أكثر الفترات دقةً في تاريخ السودان الحديث. خطاب حمل ملامح مشروع وطني واسع، لكنه في الوقت ذاته يفتح باب الأسئلة حول آليات التنفيذ، والتحديات الواقعية، والقدرة على تحويل الوعود إلى إنجازات ملموسة.
معادلة صعبة:
وقال شقلاوي في تصريح لمنصة السودان الاخبارية أن أبرز ما في الخطاب كان تأكيد الدكتور إدريس على أولوية بسط هيبة الدولة، وإنهاء التمرد، مع توجيه تحذير واضح للدول المدخلة في الشأن السوداني، ما يعكس تحوّلًا في اللغة الرسمية نحو المواجهة المباشرة. غير أن هذه الحدة الأمنية اقترنت بخطاب تصالحي على المستوى السياسي الداخلي، عبر الدعوة إلى “حوار سوداني – سوداني لا يستثني أحداً”، وهي معادلة صعبة تتطلب توازنًا دقيقًا ودعما شعبيا كبير.. بمعني لابد من حاضنة شعبية جماهيرية تعين رئيس الوزراء علي انفاذ ما وعد. لاسيما ان عرض روية مكتوبة متضمنة خارطة طزيق لإنفاذها.

وأضاف شقلاوي : الحديث عن إعادة بناء دولة القانون، واستقلال القضاء، وإنشاء المحكمة الدستورية، يُعَد تطورًا مهمًا إذا ما قورن بخطابات الحكومات السابقة حيث انها كانت السمة الابرز في الخطاب و التي كثيرًا ما تجاهلت هذه القضايا. غير أن تجارب الماضي تدفعنا للحذر، فالخطابات وحدها لا تكفي في غياب الإرادة السياسية القوية، والدعم المجتمعي، والإصلاح المؤسسي الجاد.

استنفار الإمكانيات :
وقال شقلاوي ان إشارة الدكتور إدريس إلى ضرورة “استنفار الإمكانات الداخلية” و”زيادة الصادرات” تلامس جوهر الأزمة الاقتصادية. لكن يبقى السؤال الأهم: كيف سيتم ذلك في ظل انعدام الأمن ، وانهيار البنى التحتية، لذلك لابد من قانون استثمار جاذب ؟ نعلم ان الطموح مشروع، لكنه بحاجة إلى خارطة طريق عملية تستند إلى خطط اقتصادية عاجلة .

في واحدة من أبرز جُمل الخطاب، قال إدريس إنه “لا يريد أن يكون حاكمًا يحكم الشعب بل خادمًا يحكمه الشعب”، وهي عبارة جذّابة منتبهة تعبّر عن رغبة في كسر تقاليد الاستعلاء السلطوي، لكنها ستُختبر في أول قرارات الحكومة، وأسلوب تعاملها مع الواقع المعقد. أو الاختلافات السياسية المحتملة.

في المجمل خطاب الدكتور كامل إدريس يمكن اعتباره بيانًا تأسيسيًا لمرحلة انتقالية جديدة مستنيرة ، حمل نبرة عالية من الجدية والطموح، وأرسل رسائل داخلية وخارجية واضحة. غير أن التحديات أمامه جسيمة، تبدأ من الأمن ولا تنتهي بالاقتصاد. إن الرهان الحقيقي لن يكون على ما قيل، بل على ما سيُنفَّذ، وعلى مدى قدرة الحكومة على ترجمة هذا البرنامج إلى واقع يشعر به المواطن السوداني في تفاصيل حياته اليومية.. يمكننا القول انها بداية جيدة تستحق ان ندعمها جميعا.