منصة السودان الاخبارية
معك في كل مكان

يا برهان.. وماذا عن معاش الناس؟

بقلم : رحمة عبد المنعم

قلنا من قبل ونكرر أن الخطر الأكبر الذي يهدد حكومة الفريق أول عبد الفتاح البرهان ليس الحملات التي تمولها غرف «الدويلة»، ولا كتابات «القحتجنويد» تحت هاشتاق «اختانا» المطالبة برحيل البرهان الخطر الحقيقي يكمن في معاش الناس، وفي هذه الحكومة الغافلة عن أحوال شعب أنهكته الحرب وسحقته الفاقة، وأصبح الحصول على ضروريات الحياة بالنسبة إليه معركة يومية قاسية.

 

 

وهذه الأزمة يستحيل علاجها بقرار رفع الحظر من (البرهان وكامل) عن بعض السلع وإعفاء أخرى من الرسوم الجمركية والضرائب، ربما تسهم هذه الإجراءات في تخفيض الأسعار، ولكن السؤال الذي ينبغي أن يؤرق مضاجع المسؤولين ،من أين يأتي الناس بالأموال ليشتروا؟ وما قيمة وفرة السلع في الأسواق إذا كانت جيوب المواطنين خاوية، وقد ذهبت الحرب بمدخراتهم ومصادر أرزاقهم؟

 

أوضاع الناس أصبحت بائسة ويائسة، والمعاناة تجاوزت أصحاب «الدخل المهدود» إلى الطبقة الوسطى التي تكاد تختفي من المجتمع السوداني، والمؤسف أن السودان بات مجتمعاً من طبقتين، طبقة عليا تستأثر بالمال والامتيازات، وأخرى مسحوقة تكابد الفقر والجوع، في الطبقة الأولى تجد رجال أعمال الحكومة، وأصحاب صفقات الذهب والوقود والتسهيلات، وأصحاب المناصب، وقيادات حركات الكفاح المسلح التي أصبحت «حركات الغنى السريع» بما تحظى به من وزارات إيرادية ومواقع في السلطة، إلى جانب الوزراء ومديري شركات الدولة والتجار الجشعين ومضاربي الدولار والسماسرة.

 

وفي الجانب الآخر شعب فقد كثير من أبنائه مدخراتهم، وأفقرت الحرب أسراً كانت مستورة الحال، وأصبح الغد بالنسبة إليها مجهولاً ومخيفاً، وإذا أردت معرفة حجم الكارثة، فتفقد دائرتك القريبة، وأهل منطقتك، ومعارفك وأصدقاءك، وستعرف ماذا صنعت الحرب والظروف الاقتصادية بحياة الناس.

 

سيادة الرئيس.. حكومة الدكتور كامل إدريس مغلوبة على أمرها، وأصبحت «حيطة قصيرة» يرمي عليها سابلة الأسافير وبعض الكتاب جام غضبهم، ويتغافلون، وأنا منهم، عن «الطعن في الفيل»، وأعني بذلك سيادتكم، فأنتم من أتى بهذه الحكومة، وأنتم من يتحمل المسؤولية عن أدائها، خاصة مع استمرار التدخل في شؤونها، وركوب «التريند» على حسابها.

 

وقد أصاب الناس الملل من «تريندات» «سواقة البوكس لترحيل الطلاب» و«كباية العرديب» وقعدات «الجبنة» المصنوعة، فإذا أردتم معرفة حقيقة الأوضاع، انزلوا إلى الأسواق واستمعوا إلى الناس، وتفقدوا البيوت التي أصبحت نيران الطعام لا توقد فيها، وتعاني من قطوعات الكهرباء الطويلة وشح المياه ورسوم الدراسة والعلاج الباهظة.

 

أعرف أسراً كثيرة تعجز عن توفير ثمن أدوية السكري والضغط، وأعرف حالات عانت مضاعفات صحية بسبب العجز عن شراء العلاج، وهذه مأساة تستحق أن تكون على رأس أولويات الدولة،ودعنا من كل ذلك يا سيادة الرئيس، وانظروا إلى الأطفال الذين أصبحوا لا يطلبون الحليب، فتلك رفاهية بعيدة المنال، وكل أمنياتهم قطعة خبز تقيهم شر الجوع، حتى رغيف الخبز طعام الغني والفقير، أصبح عزيزاً، ووصل ثمن القطعة الواحدة في بعض المخابز إلى ألف جنيه، وحتى بهذا السعر صار الحصول عليه عسيراً.

 

لا تستمعوا يا سيادة الرئيس، إلى تقارير الوزراء وصور المسؤولين «الشوفونية» التي تصور الأسواق عامرة والخبز متوفراً والأمور «تمام»، انزلوا إلى الناس فهناك ستجدون الحقيقة التي تغيب عن المكاتب المكيفة والتقارير المنمقة.

 

أما بقية تفاصيل المعيشة فحدث ولا حرج؛ غلاء طاحن، وفقر يتمدد، وأسر تصارع من أجل البقاء، ووزارة للرعاية الاجتماعية تبدو بعيدة عن وجع الناس، دون برامج ملموسة وواسعة الأثر لمكافحة الفقر وإسناد الفئات المنهكة، ووزيرها معتصم أحمد صالح في حالة «تسفار» وتجوال داخلي لا نرى له أثراً يوازي حجم الأزمة، وأرقام وتصريحات وصور أقرب إلى «الشوفونية» منها إلى برامج إنقاذ تصل إلى بيوت الفقراء.

 

سيادة الرئيس.. أوقفوا الصرف البذخي على لجنة تهيئة الحوار السوداني السوداني. ما جدوى الإنفاق على مقرها وسفر أعضائها ونثرياتهم وغرفهم الفندقية ومظاهر «تصبيغ الشعر» والبازارات السياسية التي تستنزف الأموال، بينما هناك أسر تبحث عن ثمن رغيف الخبز وجرعة الدواء؟ وما الاختراق الذي ينتظره الناس من لجنة تستهلك الموارد في اجتماعات وترتيبات ومظاهر يصعب تبريرها في هذه الظروف؟ وإذا أردتم التفاوض مع خونة «صمود» وإعادتهم إلى حضن الوطن، فتواصلوا معهم مباشرة، بعيداً عن السماسرة ولجان الإنفاق المفتوح.

 

إن الشعب السوداني الصابر والصامت والمحتسب يدرك أن جيش دولته يخوض حرباً، ويعي جيداً أنه يعيش تحت وطأة اقتصاد الحرب، ويتحمل فوق طاقته، لكن تقدير ظروف الحرب لا يمنح المسؤولين رخصة للترف الإداري والسياسي، ولا يبرر استمرار الإنفاق على أنشطة هامشية بينما تتسع دائرة الجوع والفاقة.

 

يا سيادة الرئيس، معركة معاش الناس هي المعركة الأهم داخل البلاد، وهي التي تستحق تعبئة أجهزة الدولة ومواردها واهتمام قيادتها، فالناس أنهكتهم الظروف القاسية، وأوجعتهم الحاجة، وأصبح الصمت الذي يواجهون به أزماتهم يستحق أن تسمعه السلطة قبل أن تظنه رضاً عن الأوضاع…

 

 

انتبهوا لمعاش الناس وأعيدوا ترتيب أولويات الإنفاق، ووجهوا المال إلى الخبز والدواء والمياه والخدمات وبرامج الحماية الاجتماعية، فالمواطن الذي يصبر على الحرب يحتاج إلى دولة تشعر بجوعه ومرضه وكرامته… سيادة الرئيس البرهان.. انتبهوا، فالجوع لا ينتظر لجان الحوار، والفقر لا تعالجه الصور والتصريحات، وصبر الناس مهما طال يستحق منكم أفعالاً تليق بتضحياتهم..

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.