مروان الريح يكتب..
العلاقات السودانية المصرية ليست مجرد علاقات دبلوماسية بين دولتين تجمعهما الحدود والمصالح المشتركة، بل هي علاقات تاريخية ضاربة في الجذور، روتها مياه النيل، وعززتها روابط الدم والمصاهرة، ورسختها مواقف التاريخ، حتى أصبحت عصية على محاولات التشويه والاستهداف، وأكبر من أن تنال منها حملات إعلامية أو مخططات سياسية تسعى إلى زرع الفتنة بين الشعبين الشقيقين.
فالسودان ومصر ليسا مجرد جارين على ضفتي النيل، وإنما شعبان جمعتهما الجغرافيا ووحدتهما المصائر
وحين اندلعت الحرب في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023، ودخلت البلاد واحدة من أصعب مراحل تاريخها الحديث، ظهرت معادن المواقف، وتميزت الدول التي وقفت إلى جانب السودان في محنته، وكانت مصر اول دولة حاضرة بمواقف سياسية وإنسانية واضحة، دعمت فيها وحدة الدولة السودانية وسلامة أراضيها والحفاظ على مؤسساتها الوطنية.
ولم يكن الموقف المصري مجرد تصريحات دبلوماسية، بل تجسد في استقبال أعداد كبيرة من السودانيين الذين دفعتهم الحرب إلى مغادرة وطنهم، إلى جانب التحركات السياسية والدبلوماسية التي أكدت من خلالها القاهرة رفضها تفكيك السودان أو المساس بوحدته وسيادته.
محاولات الاصطياد في المياه العكرة
وفي خضم هذه الحرب، برزت محاولات لاستهداف العلاقات السودانية المصرية، إذ سعت مليشيا الدعم السريع وأطراف محسوبة على جناحها السياسي والإعلامي، من خلال خطابها الإعلامي، إلى إثارة المشاعر السلبية تجاه القاهرة، وتصوير الموقف المصري باعتباره موقفاً معادياً للسودانيين، في محاولة لخلق فجوة بين الشعبين،
لكن هذه المحاولات، في تقديري، فشلت في تحقيق أهدافها، لأن الشعب السوداني أكثر وعياً من أن تنطلي عليه حملات التحريض، وأكثر إدراكاً لطبيعة العلاقات التاريخية التي تربطه بالشعب المصري.
فالسودانيون الذين وجدوا في مصر ملاذاً من نيران الحرب، وعاشوا بين أهلها وتقاسموا معهم تفاصيل الحياة اليومية، يدركون أن العلاقات بين البلدين لا يمكن اختزالها في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي أو حملة إعلامية تستهدف إثارة الغضب.
، وهناك فارق كبير بين النقد الموضوعي الذي يسعى إلى الحلول، وبين استغلال المشكلات لإشعال الكراهية وضرب العلاقات التاريخية.
لقد أثبتت المحنة السودانية أن المواقف الحقيقية لا تُقاس بالشعارات، وإنما بما تقدمه الدول عندما تشتد الأزمات.
ومصر أدركت منذ البداية أن انهيار الدولة السودانية لن يكون كارثة على السودانيين وحدهم، بل سيهدد استقرار المنطقة بأكملها، ولذلك تمسكت بالحفاظ على مؤسسات الدولة ورفض إنشاء كيانات موازية.
وهذا موقف مشرف يستحق التقدير، ويؤكد أن العلاقات بين الخرطوم والقاهرة ليست علاقات مصالح مؤقتة، وإنما شراكة استراتيجية تفرضها حقائق التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك.
مواقف لا ينساها التاريخ
سيأتي اليوم الذي تضع فيه الحرب أوزارها، ويعود السودان إلى الأمن والاستقرار، وعندها سيتذكر السودانيون مواقف الدول التي ساندت بلادهم في أصعب الظروف.
وسيكون للموقف المصري مكانه في هذه الذاكرة، ليس فقط بسبب دعم وحدة السودان ومؤسساته، وإنما أيضاً لما قدمته مصر من استضافة للسودانيين الفارين من الحرب.
إن السودان القوي الموحد يمثل عمقاً استراتيجياً لمصر، مثلما تمثل مصر المستقرة سنداً مهماً للسودان، وهذه حقيقة أكبر من الحسابات السياسية الضيقة.
وفي الختام، فإن الرسالة إلى كل من يحاول العبث بالعلاقات السودانية المصرية واضحة: ما جمعه التاريخ والجغرافيا والنيل وروابط الدم لن تفرقه حملات التحريض، ولن تنال منه محاولات الاصطياد في المياه العكرة.
لقد وقفت مصر مع السودان في وقت الشدة، والتاريخ لا ينسى المواقف المشرفة، وستظل العلاقات بين الشعبين أقوى من المؤامرات، وأعمق من الخلافات، وأرسخ من أن تهزها رياح السياسة.