منصة السودان الاخبارية
معك في كل مكان

هدوء مؤقت أم نهاية موجة؟.. قراءة في تقلبات أزمة سوق الصرف

متابعة _ منصة السودان _

بعد موجة صعود حادة دفعت سعر الدولار في السوق الموازي إلى أكثر من 9 آلاف جنيه خلال الأيام الماضية، بدأت أسعار العملات الأجنبية في التراجع منذ الخميس، قبل أن يتعزز التحسن مساء الجمعة، بالتزامن مع انخفاض الطلب على النقد الأجنبي، وتراجع أسعار الذهب واستقرار بعض أسعار السلع، فضلاً عن تحركات أمنية استهدفت تجار العملة والمضاربين.

ويشير هذا المسار إلى أن الارتفاع القياسي الأخير لم يكن نتاج عامل واحد، بل تداخلت فيه المضاربة، وشح المعروض من النقد الأجنبي، والطلب التحوطي، وتراجع الثقة في الجنيه، وهو ما يجعل التراجع الحالي مهماً، لكنه لا يكفي وحده للقول إن أزمة سعر الصرف دخلت مرحلة الانحسار المستدام.

مؤشرات تحسن هش

وفقاً لمتعاملين، انخفضت أسعار العملات الأجنبية بشكل ملحوظ، حيث سجل سعر بيع الدولار 7600 جنيه مقارنة بنحو 8800 و9000 جنيه الأربعاء الماضي، وبلغ سعر بيع الدرهم الإماراتي 2120 جنيهاً، والريال السعودي 2045 جنيهاً، واليورو 8485 جنيهاً. وامتد التحسن إلى أسعار الذهب، حيث انخفض سعر الجرام إلى 966174 جنيه بعد أن كان 1030000 جنيه، كما هبط سعر جوال السكر من 450 ألف جنيه إلى 370 ألف جنيه، وسجل جوال الدقيق 55 ألف جنيه.

لكن هذا الانخفاض، رغم أهميته، يحمل في طياته تناقضات خطيرة. فالفرق بين سعري البيع والشراء ظل واسعاً للغاية، حيث بلغ متوسط سعر الشراء 7300 جنيه مقابل سعر بيع 7597 جنيهاً، مع امتناع عدد من التجار عن البيع بكميات كبيرة.

ويحمل تراجع الذهب أهمية خاصة، لأن الذهب والنقد الأجنبي يمثلان، في ظروف التضخم وعدم استقرار سعر الصرف، أدوات للتحوط وحفظ القيمة. ولذلك فإن تراجع الاثنين معاً قد يشير إلى انحسار مؤقت في الطلب التحوطي والمضاربات، وليس مجرد تغير حسابي في سعر الدولار.

واتسع الفارق بين البنوك التجارية والسوق الموازية ليبلغ لأكثر من 3400 جنيه في الدولار الواحد. مما يعني أن السوق الموازي لا يزال هو المرجع الحقيقي لتسعير العملات.

لماذا تراجع الدولار؟

تبدو المضاربة وتغير سلوك المتعاملين من أبرز مفاتيح تفسير الهبوط السريع. فخلال موجة الصعود، اتجه بعض المتعاملين إلى شراء العملات الأجنبية والسلع لتجنب خسائر متوقعة في قيمة الجنيه، وهو ما رفع الطلب ودفع الأسعار إلى مستويات أعلى.

ومع بدء التراجع، انقلب جزء من هذا السلوك إلى الانتظار، فتراجع الطلب، بينما امتنع بعض التجار عن البيع بكميات كبيرة ترقباً لاتجاه السوق.

وتزيد الفجوة بين سعري الشراء والبيع من حالة عدم اليقين. فحين يشتري التاجر الدولار بسعر منخفض ويرفض بيعه إلا بفارق كبير، يصبح السعر المعلن أقل تعبيراً عن سوق طبيعية وأكثر انعكاساً لحالة المضاربة والسيولة المحدودة.

الدولار المزيف.. عامل غير متوقع

في تطور لافت، كشف تجار عملة أن السوق شهد خلال اليومين الماضيين تداول كميات من الدولار المزيف قادمة من غرب السودان، وقالوا إن بعض الفئات أصبحت مشابهة للعملة الحقيقية بدرجة كبيرة، ما دفع عدداً من المتعاملين إلى وقف عمليات البيع والشراء.

هذا العامل، الذي لم يكن في الحسبان، قد يكون أحد الأسباب الرئيسية وراء التراجع المفاجئ في الأسعار، إذ أن انتشار العملة المزيفة يدفع التجار إلى التوقف عن البيع احتياطاً، مما يخفض الطلب ويؤدي إلى انخفاض السعر مؤقتاً. لكنه في الوقت نفسه يزيد من حالة الفوضى وعدم الثقة في السوق، ويعمق أزمة الثقة التي تعاني منها العملة الوطنية أصلاً.

إجراءات حكومية.. ملاحقات أمنية ووعود مؤجلة

تفاعل الجهاز الحكومي مع الأزمة خلال الأيام الماضية عبر سلسلة من الإجراءات، أبرزها الحملات الأمنية المكثفة ضد تجار العملة والمضاربين. ونفذ جهاز الأمن والمخابرات العامة – الأمن الاقتصادي حملات في الخرطوم وبورتسودان ومدن أخرى، شملت إجراءات فورية استهدفت الحد من المضاربات. كما أصدرت محكمة جنايات الحاج يوسف أحكاماً بالسجن عامين والغرامة 15 مليون جنيه بحق اثنين من تجار العملة، مع مصادرة المعروضات لصالح حكومة السودان. وسبق ذلك إعلان بنك السودان المركزي تجميد أصول شركات وأفراد بتهمة تداول العملات، مع رفع عقوبة تجارة العملة إلى 10 سنوات سجناً.

وبالتوازي مع الملاحقات الأمنية، عقد مجلس الوزراء جلسة طارئة برئاسة كامل إدريس لمناقشة الأزمة الاقتصادية، ووعد بإصدار “قرارات مهمة” في الأيام المقبلة.

لكن هذه الوعود تكررت في مناسبات سابقة دون أن تتحقق نتائج ملموسة، وهو ما دفع رئيس الغرفة القومية للمستوردين الصادق جلال الدين إلى وصف شعارات اللجنة الاقتصادية بـ”الزائفة”، مؤكداً أن الجنيه يواصل انهياره رغم الإجراءات المعلنة، وأن حظر السلع لم يعالج سعر الصرف بل رفع الأسعار والتضخم وزاد التهرب الضريبي.

انعكاس تراجع الدولار على الأسواق

المؤشر الأكثر أهمية للمواطن ليس سعر الدولار وحده، وإنما انعكاسه على أسعار السلع. لماذا قد يرى المواطن انخفاضاً في الدولار، بينما لا يجد انخفاضاً مماثلاً في أسعار السلع التي يشتريها يومياً.

وتظهر البيانات المتاحة الجمعة استقراراً نسبياً في عدد من السلع الغذائية، فيما تراجع سعر جوال السكر من نحو 450 ألف جنيه الأربعاء إلى 370 ألفاً الخميس، وهو انخفاض كبير يعكس سرعة انتقال المضاربة من سوق العملات إلى سوق السلع ثم انعكاسها مع تغير توقعات المتعاملين.

لكن من السابق لأوانه اعتبار ذلك اتجاهاً مستقراً. فأسعار السلع لا تنخفض بالضرورة بالسرعة نفسها التي ينخفض بها سعر الصرف؛ لأن التجار اشتروا مخزوناتهم بأسعار مرتفعة، كما أن تكاليف النقل والتأمين والاستيراد والتمويل تظل عوامل مؤثرة.

انفراج مؤقت في أزمة هيكلية

رغم الانفراج النسبي الحالي، فإن المؤشرات الهيكلية لا تبعث على التفاؤل. فوزير المالية جبريل إبراهيم نفسه يعزو التراجع المتسارع في سعر الصرف إلى ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي وزيادة حجم الواردات مقارنة بالصادرات. محذراً من أن تدهور العملة انعكس مباشرة على معيشة المواطنين.

ويرى خبراء اقتصاد أن استقرار الجنيه يتطلب تحسينات متزامنة في عدة جبهات: تقليل التمويل النقدي لعجز الموازنة، وإعادة بناء الاحتياطيات الأجنبية، وإنعاش الصادرات، واستعادة القدرة الإنتاجية، وتعزيز الانضباط المالي.

ما حدث خلال اليومين الماضيين ليس تحولاً في مسار الأزمة، بل هو تقلب طبيعي في سوق مضاربة لا يخضع لقواعد واضحة. فالحملات الأمنية قد توقف المضاربين مؤقتاً، والدولار المزيف قد يخفض الطلب لساعات، لكن الأسباب الجذرية للانهيار لا تزال قائمة؛ انهيار القدرة الإنتاجية بسبب الحرب، وفجوة التمويل، وتهريب الذهب، وانعدام الثقة.

والإجراءات الحكومية، من ملاحقات أمنية ووعود بقرارات مهمة، تظل مسكنات لأزمة مزمنة لا علاج لها إلا بمعالجة جذورها. وحتى ذلك الحين، سيبقى الجنيه رهينة لتقلبات سوق لا ترحم، وسيبقى المواطن السوداني يدفع الثمن من أرزاقه وأحلامه.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.