منصة السودان الاخبارية
معك في كل مكان

بعد أن تعذّر كسر السودان بالبندقية… هل بدأت معركة كسر الاقتصاد بالمؤامرات الداخلية والخارجية؟

متابعة – منصة السودان

في لقاء اقتصادي مع البروفيسور محجوب هجّانة، الخبير الاقتصادي والمتخصص في الاقتصاد القياسي والاقتصاد الكلي والباحث الاقتصادي

قد تهدأ أصوات الرصاص، لكن الحروب لا تحتاج دائمًا إلى بندقية كي تستمر. فإذا تعذّر كسر السودان عسكريًا، فهل انتقلت المعركة إلى جبهة الاقتصاد؟ وهل أصبحت العملة والثقة والنقد الأجنبي والمعلومة أدوات جديدة في صراع إضعاف الدولة؟

هذه الأسئلة لا ينبغي التعامل معها بمنطق الاتهام السياسي، وإنما بمنهج التحليل الاقتصادي؛ لأن الاقتصاد يبحث عن الآثار القابلة للقياس، لا عن النوايا غير المثبتة.

حملات التشويه والمعلومات المضللة التي تستهدف الحكومة أو المؤسسات أو المسؤولين قد تبدو في ظاهرها سياسية أو إعلامية، لكنها قد تتحول اقتصاديًا إلى عامل مؤثر عندما تضرب ثقة المواطنين والمستثمرين والمتعاملين في السوق. فالاقتصاد لا يتحرك بالأرقام وحدها؛ بل تتحرك الأسواق أيضًا بالتوقعات.

ويقول البروفيسور محجوب هجّانة: «نحن في الاقتصاد لا نحاكم النوايا؛ نختبر الآثار. فالاقتصاد لا يكذب، والأرقام هي التي تكشف الحقيقة. ونحن لا نطارد الشائعات؛ بل نطارد أثرها في البيانات، ونقرأ الأرقام قبل أن تصرخ الأسواق».

وعندما تتدهور الثقة، قد يبدأ الأفراد في التحوط بشراء الدولار أو الذهب، أو التخلص من الجنيه، فتزداد الضغوط على سوق النقد الأجنبي، وينعكس ذلك على الأسعار والتضخم.

وتبدأ عندها حلقة اقتصادية خطرة: تآكل الثقة، ثم توقعات سلبية، ثم زيادة الطلب على الدولار، ثم ضغط على سعر الصرف، ثم ارتفاع الأسعار، ثم تضخم، ثم مزيد من فقدان الثقة.

لكن الاقتصاد القياسي يرفض القفز من الارتباط إلى السببية. فارتفاع سعر الدولار بالتزامن مع انتشار حملات إعلامية أو معلومات مضللة لا يعني تلقائيًا أن تلك الحملات هي سبب ارتفاع الدولار.

إثبات العلاقة يحتاج إلى بيانات واختبارات علمية تقيس التوقيت، واتجاه العلاقة، وحجم التأثير، مع التحكم في المتغيرات الأخرى؛ مثل الحرب، والإنتاج، والصادرات، والسيولة، والعجز المالي، وتدفقات النقد الأجنبي، والمضاربة.

ويضيف البروفيسور هجّانة: «إذا أثبتت البيانات أن الصدمة المعلوماتية تغير التوقعات، وأن التوقعات تحرك الطلب على النقد الأجنبي، وأن ذلك ينتقل إلى سعر الصرف والأسعار، فنحن أمام قناة انتقال اقتصادية قابلة للقياس، لا مجرد ضجيج رقمي».

والحديث عن الدولار عند 10 آلاف جنيه يجب ألا يقدم باعتباره توقعًا حتميًا، وإنما كسيناريو تحذيري. فاستمرار شح النقد الأجنبي، وضعف الإنتاج والصادرات، والتوسع النقدي، والمضاربة، وارتفاع التضخم، وتآكل الثقة، كلها عوامل يمكن أن تدفع سعر الصرف إلى مستويات أكثر خطورة إذا لم تتم معالجتها.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل سيصل الدولار إلى 10 آلاف جنيه؟ بل: ماذا تفعل الدولة اليوم حتى لا يصبح هذا السيناريو واقعًا غدًا؟

وبعد الحسم العسكري، لا يجوز ترك الاقتصاد مكشوفًا أمام الصدمات. فالمطلوب بناء نظام إنذار اقتصادي ومعلوماتي، وتعزيز الشفافية في البيانات، وحماية موارد النقد الأجنبي، وتحريك الإنتاج، وزيادة الصادرات، وجذب تحويلات المغتربين، وضبط السيولة والتمويل النقدي للعجز، ومواجهة المضاربة.

فالاستقرار النقدي لا يصنعه قرار إداري منفرد، وإنما تصنعه الثقة والإنتاج والصادرات والنقد الأجنبي والانضباط المالي والنقدي.

رسالة إلى الرئيس البرهان

سعادة الرئيس، لا تحاربوا الشائعات بالتصريحات؛ حاربوها بالمعلومة والرقم. فالشائعة الاقتصادية قد تهز الثقة، والثقة تحرك الدولار، والدولار يحرك الأسعار.

اضربوا الشائعة بالبيانات قبل أن تتحول إلى سعر في السوق.

إن إنقاذ الاقتصاد السوداني لا يبدأ فقط بضبط سعر الصرف، بل بإعادة بناء الثقة، وتحريك الإنتاج، وزيادة الصادرات، واستعادة تدفقات النقد الأجنبي، وإغلاق منافذ المضاربة والتمويل التضخمي.

المعركة القادمة ليست معركة الدولار وحده، بل معركة الثقة. ومن يخسر ثقة السوق، يخسر عملته قبل أن يخسر احتياطياته.

حسم الحرب ليس نهاية المعركة، بل بداية معركة إنقاذ الاقتصاد السوداني؛ فالدولة التي تنتصر عسكريًا ولا تنتصر اقتصاديًا، تظل معرضة لخطر الانهيار من الداخل. حفظ الله السودان وأهله واقتصاده من كل ما يهدد أمنه واستقراره.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.