بقلم : محمد عثمان الرضي
بعض الليالي لا تمر على الإنسان كما تمر سائر الليالي؛ تسكن في الذاكرة، وتترك في الروح شيئاً لا تستطيع الأيام أن تمحوه ومن تلك الليالي كانت ليلة الثامن والعشرين من أغسطس 2026، حين شاءت أقدار الله أن يكون لي موعد آخر مع مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولكن هذه المرة من القاهرة، بعد أن كان الموعد الأول في العاصمة الإريترية أسمرا، أمام مسجد الخلفاء الراشدين.
وما بين أسمرا والقاهرة، لم تكن المسافة جغرافيا فحسب، وإنما كانت رحلة أخرى في معنى المحبة المحمدية؛ تلك المحبة التي لا تعرف الحدود، ولا تعترف بالمسافات، ولا تحتاج إلى جواز سفر كي تعبر من قلب إلى قلب.
في القاهرة، كانت الدعوة الكريمة من الشيخ الأمين عمر الأمين، أحد الأصوات الصوفية السودانية التي اختارت أن تسلك طريقاً مختلفاً في مخاطبة الإنسان المعاصر، حتى صار محبوه ومريدوه ينادونه بـ«شيخ الشباب والشابات».
وما إن دخلت إلى ساحة الاحتفال حتى بدا لي أن المشهد لا يشبه كثيراً ما اعتدناه في مثل هذه المناسبات؛ فالحضور كان كثيفاً، والساحة غصت بالناس، غير أن أكثر ما استوقفني لم يكن العدد، وإنما أعمار الحاضرين، وتلك الحيوية الشبابية التي كانت تملأ المكان.
شباب في مقتبل العمر، وشابات في مقتبل الحياة، وأناس يحمل كثير منهم درجات علمية وأكاديمية رفيعة، اجتمعوا في ليلة واحدة حول معنى واحد: رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهنا أدركت أن التصوف حين يخرج من ضيق القالب إلى رحابة المعنى، وحين يتخلص من أثقال العادة دون أن يتخلى عن جوهره، يستطيع أن يستعيد مكانه في قلب الجيل الجديد.
فالجيل الذي أمامنا ليس جيل الأمس؛ إنه جيل ولد في زمن السؤال، وترعرع في زمن المعرفة المفتوحة وأصبح يناقش أصعب القضايا وأدق التفاصيل بعقل مختلف، ولذلك لا يمكن مخاطبته بالأدوات القديمة ذاتها، ولا يمكن اختزال علاقته بالدين في مجرد التلقي والصمت.
لقد انتهى إلى حد كبير عهد «الإشارة» وحدها، وعهد أن يقول الشيخ فيقول المريد: سمعنا وأطعنا دون أن يسأل عن الحكمة والمعنى. نحن أمام جيل يريد أن يفهم قبل أن يتبع، وأن يقتنع قبل أن ينتمي، وأن يرى النموذج أمامه قبل أن يسمع عنه.
وهنا كانت مرافعة الشيخ الأمين الصوفية أكثر من مجرد حديث في مناسبة دينية؛ فقد حاول أن يضع أمام الحاضرين تصوراً لمنهج جديد في نشر الفكر الصوفي، يقوم على المعاصرة والحداثة، وعلى استيعاب الشباب باعتبارهم أصحاب رسالة، لا مجرد أعداد تملأ ساحات الاحتفال.
كان حديثه يحمل في جوهره دعوة إلى تجاوز التقليدية الجامدة، لا إلى هدم التراث؛ وإلى تجديد أدوات الخطاب، لا إلى تغيير ثوابت الدين؛ وإلى تقديم التصوف في صورته التي تجعل الإنسان أقرب إلى الله، وأرحم بعباده، وأحسن معاملة للخلق.
ولعل أجمل ما في هذه الرؤية أن الشيخ لم يجعل التصوف مجرد أوراد ومظاهر ومجالس، وإنما حاول أن يعيده إلى جوهره الأول: أخلاقاً وسلوكاً ورحمة ومحبة وقدوة.
فالناس لا يرفضون الدين في كثير من الأحيان، وإنما يهربون من بعض الذين يقدمونه لهم بصورة قاسية أو منفرة. ولذلك فإن الداعية الذي يريد أن يصل إلى القلوب عليه أن يسأل نفسه أولاً: هل أنا صورة جميلة لما أدعو إليه؟
ومن هنا جاء استشهاده بقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾؛ وهي آية لو تأملها أهل الدعوة طويلاً لاكتشفوا أن نصف الطريق إلى قلوب الناس يبدأ من الأخلاق.
فما قيمة أن يحدثك الإنسان عن الرحمة وهو قاسٍ؟ وما قيمة أن يدعوك إلى المحبة وهو لا يعرف إلا الخصومة؟ وما قيمة أن يحدثك عن الإسلام وهو يجعل صورته في عينيك ضيقاً ونفوراً؟
إن أعظم ما يمكن أن يقدمه الصوفي للناس ليس كثرة الحديث عن نفسه، وإنما أن يروه في أخلاقه؛ في ابتسامته، وفي عفوه، وفي صدقه، وفي رحمته، وفي احترامه للإنسان، أياً كان دينه أو لونه أو موطنه.
ولذلك فإن القدوة، في تقديري، هي أقوى وسائل الدعوة في هذا العصر. قد تنسى ما قاله لك الشيخ بعد سنوات، ولكنك لا تنسى موقفاً إنسانياً جميلاً رأيته منه، ولا تنسى يداً امتدت إليك في وقت حاجتك، ولا قلباً احتواك حين ضاقت بك الدنيا.
وقد بدا لي أن الشيخ الأمين يراهن على هذه الفكرة تحديداً؛ أن تكون الدعوة سلوكاً يمشي على قدمين قبل أن تكون كلمات تقال على المنابر.
أربع ساعات كاملة من الحديث المباشر كانت مخصصة للحديث عن منهجه ورؤيته في نشر الفكر الصوفي، ضمن احتفال امتد لنحو ثماني ساعات؛ وهي مدة كافية لتكشف أن الرجل لا يتحدث عن فكرة عابرة، وإنما عن تجربة تشكلت لديه عبر سنوات من الاحتكاك بالناس داخل السودان وخارجه.
وكانت تجربته خارج السودان حاضرة بقوة؛ إذ تحدث عن نماذج لأشخاص من دول مختلفة تعرفوا إلى الإسلام من خلال تجربته، ثم أصبحوا من محبيه ومريديه، ولا سيما في عدد من الدول الأوروبية.
وهذه النقطة تحديداً تستحق التأمل؛ لأن نجاح خطاب ديني في الوصول إلى إنسان يعيش في بيئة أوروبية مختلفة ثقافياً واجتماعياً يضع أمام صاحبه مسؤولية مضاعفة: كيف تقدم الإسلام كما هو، لا كما يتخيله الآخرون؟ وكيف تجعل الإنسان يرى في الدين رحمة لا تهديداً؟
والتصوف السوداني، في أصله وتجربته التاريخية، يمتلك رصيداً ضخماً من هذه الروح؛ فقد عرفه السودانيون باعتباره مدرسة للمحبة، ومجالس للذكر، وأبواباً مفتوحة للناس، ومجتمعاً تتجاور فيه الفئات والطبقات دون أن تسأل أحداً عن نسبه قبل أن تفتح له الباب.
ولعل السودان نفسه كان من أكبر الشواهد على قدرة التصوف على صناعة مجتمع متسامح؛ فكم من قرية ارتبط تاريخها بخلوة، وكم من مدينة ارتبط وجدانها بشيخ، وكم من إنسان وجد في مجلس الذكر مأوى من قسوة الحياة.
لكن العالم تغير، والشباب تغير، وأدوات التواصل تغيرت؛ ولذلك فإن المحافظة على جوهر التصوف تتطلب أحياناً شجاعة في تغيير الوسائل.
لا ينبغي أن نخاف من التجديد إذا كان التجديد يعيد الناس إلى جوهر الدين، ولا ينبغي أن نخلط بين المحافظة على الأصالة وبين الجمود على الوسيلة؛ فالثابت هو القيم، أما الوسائل فمتروكة لاجتهاد الإنسان وحاجات زمانه.
وكان حضور الشابات في تلك الليلة لافتاً بصورة خاصة، فقد شكلن حضوراً واضحاً بين النساء، في مشهد يؤكد أن الفتاة المسلمة المعاصرة ليست بعيدة عن الخطاب الروحي، لكنها تريد خطاباً يحترم عقلها وكرامتها ووعيها، ولا يتعامل معها باعتبارها مجرد متلقية صامتة.
وهذا في حد ذاته رسالة؛ فالمرأة والشاب في عصرنا لا يحتاجان إلى من يضع بينهما وبين الدين ألف حاجز من التعقيد، وإنما يحتاجان إلى من يأخذ بأيديهما إلى المعنى الجميل، وإلى الإسلام الذي عرفناه من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وفي تلك الليلة بدا لي أن الاحتفال بالمولد كان أكبر من مناسبة؛ كان امتحاناً لفكرة: هل يستطيع التصوف أن يجدد نفسه دون أن يفقد روحه؟ وهل يستطيع أن يخاطب الحداثة دون أن يصبح أسيراً لها؟ وهل يمكن أن يبقى سودانياً في روحه، عالمياً في رسالته؟
أظن أن الإجابة تبدأ من شيء واحد: المحبة. فإذا كان التصوف هو طريق المحبة، فإن أول ما يجب أن نفعله هو أن نحب الناس كما نريد أن نحب الله؛ وأن نرحمهم كما نرجو رحمته؛ وأن نحسن إليهم كما نرجو إحسانه.
لقد كان المولد في القاهرة بالنسبة لي درساً آخر في معنى التصوف؛ فالذكر ليس مجرد حركة لسان، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليست مجرد ترديد، والاحتفال ليس مجرد اجتماع؛ إنما القيمة كلها فيما تتركه تلك المعاني في الإنسان بعد أن تنفض الساحات ويعود كل واحد إلى حياته.
فإذا خرج الإنسان من مجلس المولد أكثر رحمة بأهله، وأكثر صدقاً مع نفسه، وأكثر عفواً عن الناس، وأكثر احتراماً للمختلف معه، فقد حمل شيئاً من نور تلك الليلة. أما إذا خرج كما دخل، فلم يبق من الاحتفال إلا صوته.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في نهاية هذه الرحلة الروحية أنني عدت من القاهرة وأنا أشعر أن مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم لا يُحتفل به في الساحات وحدها، وإنما يولد من جديد في القلب كلما انتصر الإنسان على قسوته، وكلما سامح، وكلما رحم، وكلما اختار الكلمة الطيبة على الكلمة الجارحة.
وقد شاءت أقدار الله أن أحتفي بالمولد النبوي الشريف مرتين خارج السودان؛ في أسمرا ثم القاهرة، وكأن الرسالة كانت واحدة في المكانين: أن المحبة المحمدية وطن لا يغادره الإنسان، وأن السودان، مهما تباعدت به الجغرافيا ومهما أثقلت الحرب خطاه، يظل يحمل في وجدانه ذلك النبع الصوفي الذي علّم الناس أن الطريق إلى الله لا يُعبّد بالخصومة، وإنما بالمحبة.
يا رسول الله ما أعظم أن يظل اسمك قادراً على جمع القلوب بعد أربعة عشر قرناً؛ وما أعظم أن يختلف الناس في كل شيء، ثم يجتمعون حين يُذكر اسمك. فإذا كان التصوف قد ولد من المحبة، فإن أجمل ما يمكن أن نقدمه له اليوم أن نعيده إلى قلبه الأول: أن نحب الله فنرحم خلقه، وأن نحب رسول الله فنقتدي بأخلاقه، وأن نجعل من الدين جسراً يصل الإنسان بأخيه الإنسان، لا جداراً يفصل قلباً عن قلب. وهناك، فقط، يصبح المولد مولداً حقيقياً… حين لا تنتهي أنواره بانتهاء الليلة، وإنما تبدأ بعد أن تنفض الساحات، ويعود كل منا إلى الناس حاملاً في قلبه شيئاً من الرحمة المحمدية.