بقلم : طارق محمد أحمد الفكي
بعد توقف النشاط بالمشروع لنحو ستة مواسم زراعية لم يعد مقبولاً التعامل مع الواقع بذات الأدوات القديمة ، فالمشروع أمام محصول قائم زرعه المزارعون، وأصول تحتاج إلى المحافظة عليها، وموسم شتوي يجب الاستعداد له، وموسم قادم يتطلب إعداداً مبكراً، المطلوب الآن ليس المزيد من الحديث عن السوكي، وإنما قراءة الواقع بدقة والتحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
الزراعة القائمة أولاً
الأولوية العاجلة هي حماية المساحات التي زرعها المزارعون، وعلى رأسها محصول الذرة. وهذا يتطلب من الإدارة الزراعية والري ومديري الأقسام النزول إلى الميدان وإجراء حصر فني دقيق لشبكة الري وربطها بالمساحات المزروعة فعلياً.
نريد خريطة دقيقة لشبكة الري
المطلوب ليس أن يقال إن «الترعة تحتاج إلى نظافة»، وإنما أن تكون لدينا صورة ميدانية موثقة لكل جزء من شبكة الري. يجب تحديد اسم كل ميجر وترعة ومصرف والقطاع المتضرر، وتحديد موقع الضرر بدقة بالمسافة الكيلومترية أو بالإحداثيات الجغرافية عند الإمكان، ومعرفة طول الجزء المتأثر بالمتر أو الكيلومتر، وطبيعة المشكلة، سواء كانت طمياً أو حشائش أو انهياراً أو كسراً أو تهتكاً أو انسداداً.
كما يجب تقدير كمية الطمي أو الحشائش المطلوب إزالتها، وتحديد الآلية المناسبة لتنفيذ العمل، وعدد ساعات التشغيل أو حجم العمل المتوقع، ثم توثيق ما تم تنفيذه فعلياً ونسبة الإنجاز، وما تبقى والموعد المقترح لإكماله.
بهذه الطريقة يصبح لدى المشروع سجل فني حقيقي لكل موقع، وليس مجرد وصف عام لحالة شبكة الري وعندها يمكن معرفة أين نوجه الكراكة، وأين نستخدم الباكلودر، وأي تدخل يمكن أن يفتح الطريق أمام المياه ويخدم أكبر مساحة من المحاصيل.
الكسور والجسور.. لا بد من تحديد مواقعها
الأمر نفسه ينطبق على الكسور في الترع المطلوب تحديد موقع كل كسر بدقة وحجمه، وطول الجزء المتضرر، وطبيعة المعالجة المطلوبة، والآلية التي يحتاجها، وما تم إصلاحه وما تبقى.
أما الجسور الضعيفة فيجب تحديد مواقعها داخل الترع، وتقييم حالتها ومعرفة درجة خطورتها، وما تحتاج إليه من أعمال وآليات، مع تسجيل ما تم تأهيله وما ينتظر التدخل.
المصارف.. أين الخلل الأكبر؟
يجب كذلك تحديد المصارف الأكثر تدهوراً، ومعرفة موقع الجزء المتضرر وطوله ودرجة انسداده وتأثيره على الأراضي الزراعية، ثم ترتيب التدخلات وفق درجة الخطورة والأثر المتوقع.
فالري والصرف وجهان لمنظومة واحدة، وأي خلل في أحدهما يمكن أن ينعكس مباشرة على الإنتاج.
المياه والمحصول.. هنا تكون الأولوية
بعد معرفة حالة شبكة الري يأتي السؤال الأكثر أهمية: كمية المياه المتاحة فعلياً؟ وكم مساحة يمكن ريها بهذه الكمية؟ وأين تقع هذه المساحات؟ وما الاحتياج المائي للمحاصيل الموجودة؟
فالمزارع زرع بالفعل، وأنفق ماله وبذل جهده بعد سنوات طويلة من توقف المشروع، وعلى رأس المحاصيل الموجودة حالياً الذرة. ولذلك يجب أن يكون الهدف الأول هو حماية هذه المساحات من الغرق أو العطش، ومعالجة الاختناقات التي تمنع وصول المياه إليها، الفترة من 15 سبتمبر إلى 15 أكتوبر تحتاج إلى متابعة ميدانية مكثفة، لأن أي تأخير في معالجة الاختناقات قد ينعكس مباشرة على المحصول. المطلوب أن يعرف المسؤول في كل قسم أين توجد المياه، وأين وصلت، وأين توقفت، وما سبب توقفها، وما المساحة المتأثرة، وما الإجراء المطلوب لإيصالها.
لا نريد تحريك الآليات لمجرد تسجيل نشاط؛ المطلوب أن تتحرك الآلية إلى المكان الذي يؤدي إصلاحه إلى حماية أكبر مساحة ممكنة من محصول المزارعين.
والحقول الإيضاحية.. لخدمة المزارع لا لمنافسة إنتاجه
الحقول الإيضاحية مهمة من الناحية الفنية، لكنها يجب أن تؤدي وظيفتها الأساسية: خدمة المزارع ونقل التقنية إليه، لا أن تتحول إلى النشاط الزراعي الرئيسي للمشروع.
وفي ظل عدم وجود شراكات إنتاجية فاعلة، وعدم وجود زراعة قطن حالياً فإن الأولوية يجب أن تكون للمساحات التي دخلت فعلياً في دائرة الإنتاج بواسطة المزارعين، وخاصة محصول الذرة المزروع حالياً.
لذلك ينبغي ألا تستحوذ الحقول التي تزرعها الإدارة على معظم الجهد والآليات والمياه، بينما توجد مساحات للمزارعين تحتاج إلى الحماية والري والمتابعة. والأصل أن تكون الحقول الإيضاحية ترتبط بمحاصيل وتقانات يحتاج إليها المزارع فعلياً، مع توثيق نتائجها ونقلها إلى المنتجين.
الموسم القادم.. الاستعداد من الآن
إنقاذ المحصول الحالي لا يعني تأجيل التأهيل إلى الموسم القادم. فمن الآن يجب أن يبدأ حصر الطلمبات وشبكات الري والآليات والورش والمخازن والمكاتب والسكنات والمنشآت والأصول، وتحديد حالة كل أصل وما يحتاج إليه من صيانة أو إعادة تأهيل.
كما يجب وضع تصور مبكر للموسم الشتوي والموسم الزراعي القادم، حتى لا تبدأ الاستعدادات بعد دخول الموسم. ويجب أن تكون الإجابة واضحة: ماذا سنفعل؟ أين؟ متى؟ وبأي إمكانيات؟ ومن المسؤول عن التنفيذ؟
الخطة الزراعية.. نريدها على الأرض
وهنا يأتي الدور المباشر للمدير الزراعي ومديري الأقسام. فالسؤال لم يعد فقط: هل لديكم خطط؟ بل أصبح: ماذا أنجزتم منها؟
أين الحصر؟ أين المواقع المحددة؟ أين نسب الإنجاز؟ أين الآليات المطلوبة؟ أين المساحات التي تم تأمين ريها؟ وما العقبات التي ما زالت تمنع وصول المياه؟
المطلوب ليس تقريراً يصف الواقع، وإنما بيانات ميدانية تقود إلى قرار، وقرار يقود إلى عمل، وعمل يقاس بنتيجة.
الخاتمة
السوكي قضى ستة مواسم في انتظار العودة، ولا ينبغي أن يضيع موسماً آخر في انتظار الخطط.
أنقذوا ما زرعه المزارع أصلحوا ما يمنع وصول المياه حافظوا على أصول المشروع ، وابدأوا من الآن في تجهيز الموسم الشتوي والموسم القادم.
وفي الوقت الذي تخوض فيه القوات المسلحة معركة استعادة الوطن ودحر التمرد، فإن مسؤوليتنا في ميادين الإنتاج هي أن نواكب هذا النصر بالعمل والبناء وإعادة الأرض إلى دائرة العطاء.