منصة السودان الاخبارية
معك في كل مكان

الفساد يحارب بالقانون.. والجهوية لا تبني وطنًا

بقلم : همام الفاتح

لا خلاف على أن محاربة الفساد تمثل إحدى أهم أولويات الدولة السودانية، لا سيما في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. فالفساد لا يقل خطورة عن الحرب، بل قد تكون آثاره أكثر تدميرًا لمؤسسات الدولة ومستقبلها.

ومن هذا المنطلق، يظل دور الصحافة الاستقصائية والأجهزة العدلية والأمنية المختصة ركيزة أساسية في كشف التجاوزات وحماية المال العام. وفي هذا السياق يستحق جميع الصحفيين الاستقصائيين التقدير، وفي مقدمتهم الأستاذة رشان أوشي التي خرجت مؤخرًا من السجن متمسكة بمواقفها.

وفيما يتعلق بملف شركة “العسجد”، وهو الملف الذي يشغل الرأي العام حاليًا، فإن القضية تتعلق بقرار صادر عن بنك السودان المركزي بسحب الترخيص الممنوح للشركة، استنادًا إلى مبررات فنية وقانونية. ووفقًا لما تم تداوله، فقد رأى البنك أن الشركة تمكنت من الوصول إلى بيانات وحسابات العملاء، وهو ما يتعارض مع مبدأ السرية المصرفية المنصوص عليه في قانون تنظيم العمل المصرفي.

كما أشار البنك إلى أن الشركة، عبر المخدم المؤجر، قامت بإجراء تسويات بين المصارف، وهو اختصاص أصيل للبنك المركزي يتطلب صلاحيات لا يجوز تفويضها لجهة خاصة.

غير أن المؤسف في هذه القضية هو انحراف النقاش في بعض منصات التواصل الاجتماعي نحو الجهوية والقبلية، وهي ممارسات أضرت بالسودان لعقود طويلة. وأؤكد هنا أنه ليست لدي أي علاقة شخصية بالسيد أيمن أبو جيبين أو زوجته، ولم يسبق أن عرفته إلا معرفة عابرة قبل نحو عامين خلال لقاء بالقاهرة عندما عرفني به الأستاذ أسامة عبد الماجد بوصفه الرئيس السابق لنادي المريخ.

إن محاولة ربط القضية بانتماءات قبلية أو اتهام أشخاص بسبب أصولهم الاجتماعية، أو إطلاق أوصاف سياسية دون أدلة، يمثل انزلاقًا خطيرًا يهدد النسيج الوطني. وقد عبّر رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان عن هذا المعنى بوضوح عندما أكد في بورتسودان أن الحرب ليست موجهة ضد قبيلة أو جهة بعينها، وإنما ضد التمرد.

وهي رسالة تؤكد أن جميع السودانيين، بمختلف قبائلهم وانتماءاتهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأن وحدة الوطن يجب أن تظل فوق كل اعتبار.

كما ينبغي التأكيد على أن أي شخص أو مؤسسة تعاملت مع قوات الدعم السريع قبل 15 أبريل 2023، عندما كانت جزءًا من المنظومة الرسمية للدولة، لا يمكن إدانته لمجرد ذلك التعامل. أما الاستمرار في دعم التمرد بعد اندلاع الحرب فهو أمر مختلف تمامًا. وقد شهدت الساحة عودة عدد من الشخصيات التي كانت في مناطق سيطرة التمرد ثم انضمت إلى صف الدولة، وهو ما يؤكد أن باب الوطن يظل مفتوحًا لكل من يراجع موقفه ويختار الوقوف مع السودان.

وفي المقابل، فإن الحديث عن تورط مسؤولين في بنك السودان المركزي في حماية الفساد يحتاج إلى أدلة قاطعة، ولا يجوز إطلاقه جزافًا. فالمعطيات المتاحة تشير إلى أن الشركة حصلت على الترخيص عبر الإجراءات القانونية في عهد المحافظ السابق، قبل أن يقرر البنك لاحقًا سحب الترخيص بعد مراجعات فنية وقانونية. ولو كانت هناك إرادة لحماية الفساد، لما صدر قرار إلغاء الترخيص من الأساس. ومن هنا، فإن المسؤولية تقتضي تحري الدقة، لأن الكلمة قد تكون أشد أثرًا من الرصاصة، وإذا خرجت لا يمكن استعادتها.

وأخيرًا، فإن الفساد في السودان ليس ظاهرة مرتبطة بمرحلة أو حكومة بعينها، بل هو تحدٍ تراكم عبر عقود منذ الاستقلال، وتفاوتت درجاته من حقبة إلى أخرى. ولذلك فإن مكافحته مسؤولية مشتركة بين الدولة، والأجهزة الرقابية، والإعلام، والمجتمع، بعيدًا عن المزايدات أو تصفية الحسابات أو إثارة النعرات القبلية.

إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب يعزز دولة القانون والمؤسسات، ويواجه الفساد بالحجة والدليل، ويحافظ في الوقت ذاته على وحدة المجتمع وتماسكه، حتى نعبر هذه المرحلة الصعبة ونبني وطنًا قويًا، موحدًا، ومستقرًا بإذن الله.

واخيرا

محاربة الفساد في السودان مسؤولية وطنية.. بعيدًا عن الجهوية وتزييف الحقائق .

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.