منصة السودان الاخبارية
معك في كل مكان

نزيف الذهب المستمر.. كيف فقد السودان 56 طناً في عام واحد؟

متابعة _ منصة السودان _

بالأمس، وفي أقل من أربع وعشرين ساعة، صدرت إشارتان تحملان دلالات اقتصادية وسياسية مهمة. الأولى جاءت من الغرفة القومية لمستوردي المواد البترولية، التي كشفت بالأرقام أن السودان فقدان نحو 56 طناً من الذهب خارج القنوات الرسمية خلال عام واحد، معتبرة أن هذا الفاقد هو السبب الجوهري وراء أزمة النقد الأجنبي وتراجع قيمة الجنيه.

أما الثانية، فجاءت من الحكومة؛ بإجازة تعديلات قانونية تشدد العقوبات على جرائم تهريب الذهب، في خطوة تبدو وكأنها استجابة مباشرة لحجم النزيف الذي يعانيه الاقتصاد.

ورغم أن الحدثين صدرا من جهتين مختلفتين، فإنهما يلتقيان عند حقيقة واحدة؛ وهي أن معركة استقرار الاقتصاد السوداني قد لا تبدأ من سوق النقد أو شركات الوقود، وإنما من السيطرة على الذهب وإعادته إلى الدورة الاقتصادية الرسمية.

56 طناً… أين ذهبت؟

أكثر ما لفت الانتباه في مؤتمر الغرفة التجارية لم يكن الحديث عن أسعار الوقود، وإنما الأرقام المتعلقة بالذهب.

فبحسب بيانات استندت إلى وزارة المعادن، بلغ إنتاج السودان من الذهب خلال عام 2025 نحو 70 طناً، بينما لم يدخل عبر القنوات الرسمية سوى 14 طناً، ما يعني أن 56 طناً لم تصل إلى بنك السودان أو لم تصدر عبر المسارات الرسمية.

وبحسابات الأسعار العالمية الحالية، تقدر قيمة هذه الكمية بأكثر من 7.2 مليار دولار، وهو رقم يتجاوز بكثير احتياجات السودان السنوية من النقد الأجنبي لاستيراد الوقود والقمح والدواء.

وبمعنى آخر، فإن الاقتصاد السوداني لا يبدو فقيراً في موارده بقدر ما يعاني من ضعف السيطرة على هذه الموارد.

لماذا ينهار الجنيه؟

طرحت الغرفة التجارية تفسيراً مختلفاً لأسباب تراجع سعر صرف الجنيه.. فهي ترى أن الأزمة لم تبدأ من نشاط الشركات المستوردة، وإنما من فجوة كبيرة بين حصيلة صادرات الذهب وفاتورة استيراد الوقود.

ففي الربع الأول من عام 2026 بلغت صادرات الذهب الرسمية نحو 370 مليون دولار، بينما وصلت فاتورة الوقود إلى 697 مليون دولار، لتظهر فجوة تمويلية تتجاوز 326 مليون دولار.

هذه الفجوة، بحسب الغرفة، أجبرت المستوردين على البحث عن الدولار في السوق، ما أدى إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية وارتفاع أسعارها، ومن ثم انعكس ذلك مباشرة على قيمة الجنيه السوداني ومستويات التضخم.

كما ألقت الغرفة جزءاً من المسؤولية على السياسات النقدية، مع تحفظها على قرار إلزام الشركات بإيداع 200 كيلوغرام من الذهب كضمان للاستيراد، معتبرة أن القرار يجمد السيولة ويزيد الطلب المحلي على الذهب والدولار، بدلاً من تخفيفه.

الحكومة تتحرك… ولكن هل يكفي القانون؟

في المقابل، أجازت اللجان الفنية للقطاعات الوزارية تعديلات قانونية جديدة تشدد العقوبات على جرائم تهريب الذهب والمعادن النفيسة، مع توفير حماية قانونية أكبر للقوات النظامية العاملة في مكافحة التهريب.

وتحمل هذه الخطوة رسالة واضحة بأن الحكومة باتت تنظر إلى تهريب الذهب باعتباره قضية أمن اقتصادي، وليس مجرد مخالفة جمركية أو نشاط تجاري غير مشروع.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تكفي العقوبات وحدها لإيقاف نزيف الذهب؟

تجارب كثير من الدول المنتجة للمعادن تشير إلى أن التشدد القانوني يمثل جزءاً من الحل، لكنه لا يكون فعالاً ما لم يصاحبه إصلاح اقتصادي يجعل البيع عبر القنوات الرسمية أكثر جدوى من التهريب.

فإذا ظل المنتج يحصل على سعر أفضل خارج النظام الرسمي، أو واجه رسوماً مرتفعة وإجراءات معقدة، فإن الحوافز الاقتصادية قد تستمر في دفع جزء من الإنتاج نحو السوق الموازية، مهما بلغت شدة العقوبات.

 

الذهب… معركة الثقة قبل الرقابة

 

لهذا، فإن مقترحات الغرفة التجارية تستحق التوقف عندها، خصوصاً تلك المتعلقة بشراء الذهب بأسعار منافسة، وإصدار أدوات ادخارية مدعومة بالذهب، وتوسيع نظام المقايضة بين الذهب والسلع الاستراتيجية، بما يقلل الضغط على الدولار.

فالاقتصاد لا يعالج بالردع وحده، وإنما أيضاً ببناء الثقة بين الدولة والمنتجين والمصدرين، وتوفير حوافز تجعل الالتزام بالقنوات الرسمية خياراً مربحاً.

وبعبارة أخرى، فإن مكافحة التهريب ليست مهمة أمنية فقط، بل هي أيضاً سياسة نقدية وتجارية تتطلب إصلاحات متكاملة.

من الذهب إلى الجنيه

تكشف الأرقام التي عرضتها الغرفة التجارية أن العلاقة بين الذهب والجنيه السوداني أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.

فكل طن من الذهب يخرج خارج النظام المصرفي يعني فقدان ملايين الدولارات التي كان يمكن أن تدخل احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي، وتستخدم في تمويل الواردات الأساسية، أو تخفيف الضغط على سوق الصرف.

وبالمقابل، فإن كل دولار مفقود يدفع المستوردين إلى السوق الموازية، ويزيد الطلب على العملات الأجنبية، ويرفع تكلفة الاستيراد، ثم تنتقل الزيادة إلى أسعار الوقود والنقل والغذاء والسلع الأساسية، ليتحمل المواطن في النهاية فاتورة هذه الحلقة الاقتصادية.

هل نحن أمام تحول في السياسة الاقتصادية؟

إجازة تعديلات تشدد عقوبات تهريب الذهب، بالتزامن مع الكشف عن حجم الفاقد من الإنتاج، قد تمثل بداية تحول في طريقة تعامل الدولة مع الأزمة الاقتصادية.

لكن نجاح هذا التحول سيقاس ليس بعدد القوانين الجديدة، وإنما بقدرة الحكومة على تحقيق هدفين متوازيين: وقف نزيف الذهب من جهة، وجذب المنتجين إلى القنوات الرسمية من جهة أخرى.

فإذا نجحت الدولة في استعادة جزء معتبر من الذهب المفقود، فإنها لن تعالج فقط أزمة الوقود أو استقرار سعر الصرف، بل ستؤسس أيضاً لاحتياطي نقدي يمكن أن يعيد للجنيه جزءاً من قوته، ويخفف الضغوط التضخمية على الاقتصاد.

أما إذا اقتصر الأمر على تشديد العقوبات دون معالجة أسباب التهريب الاقتصادية، فقد يستمر نزيف الذهب، وتظل معركة استقرار الجنيه مؤجلة، مهما تعددت الإجراءات النقدية أو تغيرت السياسات.

وفي المحصلة، تكشف الرسالتان الصادرتان هذا الأسبوع حقيقة ربما تكون الأكثر أهمية في المشهد الاقتصادي السوداني: إن معركة الجنيه السوداني تبدأ من الذهب، ومعركة الذهب تبدأ بإدارة المورد قبل معاقبة من يهربه.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.