متابعة _ منصة السودان _
بينما تنشغل الأنظار بتطورات المعارك في دارفور وكردفان، تتشكل في الظل أزمة أخرى لا تقل خطورة عن الحرب نفسها، تتمثل في التوسع المتسارع لتجارة المخدرات وتعاطيها داخل السودان. الانفلات الأمني الذي أفرزته الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 خلق بيئة مثالية لشبكات التهريب والاتجار، لتتحول المخدرات من مشكلة جنائية محدودة إلى تهديد أمني واجتماعي واسع النطاق.
أرقام تزلزل الأرض
وتكشف الأرقام الرسمية جانباً من حجم الظاهرة، حيث أعلن الناطق الرسمي باسم الشرطة السودانية، في تصريح صادم أن قوات الشرطة تمكنت خلال الربع الأول من العام الحالي وحده من فتح أكثر من 1000 بلاغ متعلق بالمخدرات، وضبط أكثر من مليون حبة مخدرة.
ببساطة هذا الرقم يعني أن الشرطة تضبط ما معدله 11 بلاغ مخدرات يومياً، وأكثر من 11 ألف حبة مخدرة يومياً، في بلد يمر بحرب طاحنة.
والأخطر أن هذه الأرقام لا تمثل سوى قمة جبل الجليد؛ فهي تعكس فقط ما تم ضبطه وفتح بلاغات بشأنه، بينما يظل الرقم الحقيقي للمخدرات المتداولة والمعاملات التي لم تُكتشف أو لم يُبلغ عنها أكبر بكثير.
الحرب تفتح الأبواب
يرى مراقبون أن تمدد تجارة المخدرات استفادت بصورة مباشرة بانهيار أجزاء واسعة من المنظومة الأمنية. فالحرب أدت إلى تراجع الرقابة على الحدود والمعابر البرية، وأضعفت قدرة الأجهزة المختصة على الملاحقة والرصد، في وقت تحولت فيه بعض الطرق الصحراوية إلى ممرات مفتوحة للتهريب.
كما أن اتساع رقعة المناطق المتأثرة بالنزاع جعل من الصعب فرض سيطرة قانونية فعالة على حركة البضائع والأشخاص، الأمر الذي أتاح لشبكات التهريب التحرك بحرية أكبر مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الحرب.
المخدرات سلاح حرب لدى المليشيا
ربما يكون الجانب الأكثر رعباً في انتشار المخدرات هو ارتباطها المباشر بالحرب نفسها لدى مليشيا الدعـ م السـ ريع، حيث يتفشى تعاطي المخدرات وسط عناصر المليشيا، وتنتشر أسواق المخدرات بصورة كثيفة في جميع مناطق سيطرتها، وتباع علناً بلا نكير جنباً جنب مع الذخيرة، كأنها قطع حلوى أو بسكويت!.. وأثبتت تقارير متعددة أن المليشيا تتعمد توزيع المخدرات بين المقاتلين بهدف رفع الروح القتالية، حيث تمنح الحبوب المنشطة المقاتلين شعوراً زائفاً بالشجاعة واللامبالاة بالخطر، كما تكسر الحواجز النفسية وتدفع المقاتلين إلى ارتكاب فظائع قد يترددون عنها في حالتهم الطبيعية، إلى جانب ذلك تستخدم المليشيا المخدرات لاستدراج الشباب العاطلين واليائسين للانخراط في صفوفها.
ومن جهة أخرى فإن تجارة المخدرات باتت أحد مصادر التمويل غير المشروعة للمليشيا التي تدير شبكات التهريب عبر مناطق سيطرتها.
هذه العلاقة الملتبسة بين الحرب والمخدرات تخلق حلقة مفرغة: الحرب تتيح انتشار المخدرات، والمخدرات تزيد من وحشية الحرب.
الحبوب المخدرة تتصدر المشهد
تشير بيانات الضبطيات الأخيرة إلى أن الحبوب المخدرة أصبحت تمثل الجزء الأكبر من السوق السوداني، وعلى رأسها العقاقير ذات التأثير النفسي والعصبي التي يجري تداولها خارج الأطر الطبية. وتشمل أبرز الأنواع المنتشرة:
– الترامادول والبنزوديازيبينات: وهي أدوية مهدئة ومنومة تستخدم طبياً، لكن إساءة استخدامها تسبب الإدمان والهلوسة، وسوقها السوداني غارق بها.
– الكبتاجون: حبوب منشطة انتشرت بقوة في الشرق الأوسط، ويُعتقد أن السودان أصبح نقطة عبور ومحطة لتجارتها قبل تهريبها إلى دول أخرى.
– الحشيش والماريجوانا: لا يزالان من أكثر المواد انتشاراً، خاصة في المناطق الريفية والحدودية.
ويحذر مختصون من أن خطورة هذه المواد لا تكمن فقط في آثارها الصحية، بل في سهولة نقلها وإخفائها وانخفاض تكلفتها مقارنة ببعض أنواع المخدرات التقليدية، مما يجعلها أكثر انتشاراً بين فئات الشباب.
الشباب.. الضحية الأكبر
في بلد تعطلت فيه الدراسة بمناطق واسعة، وتراجعت فرص العمل بصورة حادة، أصبح الشباب الفئة الأكثر عرضة لخطر الإدمان. ويزداد القلق وسط المجتمعات المحلية من تنامي الظاهرة في أوساط النازحين والعاطلين عن العمل والأطفال المتأثرين بالحرب.
ويخشى خبراء اجتماعيون من أن تؤدي إطالة أمد الحرب إلى إنتاج جيل يواجه أزمات مركبة تجمع بين آثار الحرب النفسية والاجتماعية ومخاطر الإدمان، وهو ما قد يضاعف التحديات التي ستواجه البلاد في مرحلة ما بعد الحرب.
تجارة مزدهرة في ظل اقتصاد منهار
لم تعد المخدرات مجرد قضية أمنية، بل أصبحت جزءاً من الاقتصاد غير الرسمي الذي توسع خلال سنوات الحرب. فمع انهيار كثير من الأنشطة الاقتصادية المشروعة، وجدت بعض الشبكات الإجرامية في تجارة المخدرات مجالاً لتحقيق أرباح ضخمة مستفيدة من ضعف الرقابة وصعوبة الملاحقة.
ويشير خبراء إلى أن الموقع الجغرافي للسودان يجعله ممراً مهماً على بعض خطوط التهريب الإقليمية، الأمر الذي يزيد من تعقيد جهود المكافحة ويحول القضية إلى تحدٍ يتجاوز الحدود الوطنية.
الشرطة في مواجهة معركة مزدوجة
رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، تواصل الأجهزة المختصة حملات مكافحة المخدرات، إلا أن المهمة تبدو أكثر تعقيداً في ظل نقص الإمكانات والكوادر واتساع رقعة التهريب.
ففتح أكثر من ألف بلاغ خلال ثلاثة أشهر يعكس جهداً أمنياً واضحاً، لكنه في الوقت ذاته يكشف حجم الضغوط التي تواجهها المؤسسات الأمنية في حرب تخوضها على أكثر من جبهة.
يرى مختصون أن مواجهة الظاهرة تتطلب ما هو أبعد من حملات الضبط والملاحقة، عبر تبني استراتيجية وطنية تشمل التوعية والعلاج وإعادة التأهيل وتعزيز الرقابة على الحدود، إلى جانب التعاون الإقليمي لملاحقة الشبكات العابرة للدول.
تكشف أرقام المخدرات الأخيرة أن السودان لا يواجه حرباً عسكرية فقط، بل يخوض أيضاً معركة صامتة ضد اقتصاد إجرامي يتوسع مستفيداً من الفوضى التي أفرزتها الحرب. وبينما تترك الحرب آثارها المباشرة على الأرض، تواصل المخدرات التغلغل في المجتمع بصمت، مضيفة تحدياً جديداً إلى قائمة التحديات الثقيلة التي تنتظر البلاد في مرحلة استعادة الاستقرار.