بقلم : محمد سنهوري الفكي الامين
في لحظات الأزمات الكبرى لا تُختبر الدول فقط، بل تُختبر كذلك عقول نخبها ومواقفها الأخلاقية. فالحرب، بطبيعتها القاسية، تكشف ما كان مخبوءًا في طبقات الخطاب السياسي والثقافي، وتُظهر بوضوح حجم الانسجام أو التناقض بين ما تقوله النخب وما تفعله. وفي التجربة السودانية المعاصرة برزت ظاهرة يمكن فهمها بوضوح من خلال مفهوم التنافر المعرفي، وهو ذلك الصراع النفسي الذي ينشأ عندما يتبنى الإنسان أفكارًا وقيمًا معينة ثم يجد نفسه في الواقع يتخذ مواقف تناقض تلك القيم.
لقد ظلت النخب السودانية، لعقود طويلة، تتحدث عن الدولة الحديثة بوصفها الإطار الأعلى لتنظيم المجتمع، وعن ضرورة بناء مؤسسات قوية قادرة على حماية البلاد وضمان استقرارها. وكانت فكرة الدولة نفسها – بما تمثله من سيادة قانون ومؤسسات رسمية – حاضرة في الخطاب السياسي والثقافي بوصفها هدفًا لا خلاف حوله. غير أن لحظة الحرب كشفت مفارقة عميقة؛ إذ وجدت الدولة نفسها، تحت ضغط الواقع وتعقيداته، تعتمد في بعض الأحيان على منظومات غير رسمية للمساهمة في الدفاع عنها أو سد فراغات أمنية فرضتها ظروف الصراع.
هذه المفارقة ليست جديدة في تاريخ الدول، فالكثير من الدول في ظروف الحرب أو الانهيار المؤسسي تضطر إلى الاستعانة بقوى اجتماعية أو محلية أو شبه نظامية لحماية المدن أو دعم خطوط الدفاع. لكن المشكلة لا تكمن في هذا الواقع المعقد بقدر ما تكمن في الطريقة التي تعاملت بها بعض النخب مع هذه الظاهرة. فبدل النظر إليها بوصفها نتيجة لظروف استثنائية تتطلب نقاشًا عقلانيًا حول كيفية إعادة تنظيم القوة داخل الدولة، تحولت المواقف أحيانًا إلى خطاب متناقض يفتقر إلى الاتساق الأخلاقي والفكري.
فمن جهة، استمرت بعض الأصوات في رفع شعارات بناء الدولة وسيادة القانون، ومن جهة أخرى تبنت مواقف أو تحليلات تتجاهل حقيقة أن الدولة، في لحظة تهديد وجودي، قد تلجأ إلى وسائل غير مثالية للحفاظ على بقائها. وهنا يظهر التنافر المعرفي بوضوح؛ إذ يسعى العقل إلى التوفيق بين فكرة مثالية عن الدولة وبين واقع معقد لا يسمح بتلك المثالية الكاملة.
لكن التنافر المعرفي لم يتوقف عند حدود تحليل الدولة وسلوكها في الحرب، بل امتد إلى المواقف الأخلاقية للنخب نفسها. فقد ظهرت مواقف بدت في ظاهرها سياسية أو تحليلية، لكنها في عمقها اصطدمت مع المبادئ الأخلاقية التي ظلت النخب نفسها تدافع عنها لسنوات. فهناك من تحدث طويلًا عن حقوق الإنسان، لكنه تعامل ببرود أو انتقائية مع معاناة المدنيين عندما لم تتوافق تلك المعاناة مع موقفه السياسي. وهناك من ظل يدعو إلى العدالة والإنصاف، لكنه وقع في خطاب يبرر العنف أو يخفف من خطورته عندما صدر من الجهة التي يراها أقرب إلى رؤيته السياسية.
هذا النوع من التناقض يعكس أزمة أعمق في الثقافة السياسية للنخبة. فبدل أن تكون الأخلاق معيارًا ثابتًا للحكم على الأحداث، تصبح المواقف السياسية هي التي تحدد شكل الأخلاق. وعندما يحدث ذلك، تتحول المبادئ إلى أدوات خطابية تُستخدم عند الحاجة وتُهمل عند التعارض مع المصلحة أو الانحياز.
إن التنافر المعرفي في هذه الحالة لا يعني فقط وجود تناقض فكري، بل يشير أيضًا إلى محاولة العقل الدفاع عن ذاته من خلال تبرير المواقف المتعارضة مع القيم الأصلية. فيبدأ الخطاب في إعادة صياغة الواقع أو تفسيره بطرق ملتوية حتى يبدو متسقًا مع الموقف السياسي المتخذ. وهكذا يصبح الدفاع عن الفكرة أهم من الدفاع عن الحقيقة.
غير أن المجتمعات لا يمكن أن تبني مستقبلها على هذا النوع من التناقضات المستمرة. فالدول التي مرت بتجارب صراع عميقة احتاجت دائمًا إلى لحظة مراجعة صادقة، تعيد فيها النخب التفكير في دورها ومسؤولياتها الأخلاقية. فالمثقف أو السياسي أو الكاتب ليس مجرد طرف في صراع سياسي، بل هو أيضًا حارس للقيم التي تحمي المجتمع من الانزلاق إلى الفوضى الأخلاقية.
إن تجاوز التنافر المعرفي يبدأ بالاعتراف به أولًا، ثم بالعودة إلى مبدأ بسيط لكنه عميق: أن القيم لا ينبغي أن تتغير بتغير الاصطفافات. فإذا كانت العدالة قيمة حقيقية، فيجب أن تبقى كذلك في كل الظروف. وإذا كان الدفاع عن الدولة ضرورة، فيجب أن يقترن دائمًا بالسعي لإصلاحها وتقوية مؤسساتها الرسمية حتى لا تضطر مستقبلاً إلى الاعتماد على ترتيبات استثنائية.
بهذا المعنى، فإن التحدي الأكبر أمام النخب السودانية ليس فقط في تفسير ما يجري، بل في القدرة على استعادة الاتساق بين الفكر والموقف، وبين السياسة والأخلاق. فحين تتصالح المبادئ مع السلوك، يمكن للنخبة أن تستعيد دورها الطبيعي بوصفها ضميرًا حيًا للمجتمع، لا مجرد طرف آخر في صراع الروايات .