بقلم : محمد سنهوري الفكي الامين
ان القوى العظمى على مسرح السياسة العالمية ، تظهر تارةً في ثنائية قطبية صارمة، وتارةً في هيمنة أحادية لا تقبل الجدل. لكن اليوم، تتجلى أمام أعيننا لوحة جديدة، لوحة تتشابك فيها خيوط متعددة الألوان، معلنةً عن فجر العوالم المتعددة الأقطاب . لم يعد العالم يدور في فلك نجم واحد أو نجمين، بل أصبح كوكبة من النجوم المتنافسة والمتعاونة، كلٌ يسعى لفرض رؤيته وتأمين مصالحه في هذا الفضاء الكوني المترامي الأطراف.
إن هذا التحول الجيوسياسي العميق ليس مجرد تغيير في موازين القوى، بل هو زلزال يهز أركان السياسة العالمية، ويعيد تشكيل خرائط الاقتصاد، وينسج نسيجاً اجتماعياً جديداً، لا سيما في مناطق كانت تُعدّ هامشية. فسياسياً، نشهد تراجعاً تدريجياً لمفهوم القطب الأوحد، وبروز قوى إقليمية ودولية تسعى لامتلاك زمام المبادرة. تتعدد مراكز القرار، وتتنوع التحالفات، وتصبح الدبلوماسية أكثر تعقيداً وتشابكاً، حيث لا يمكن لأي قوة أن تفرض إرادتها المطلقة دون مراعاة مصالح وتطلعات الآخرين. هذا التعدد قد يفتح أبواباً أوسع للتعاون، ولكنه في الوقت ذاته يرفع من وتيرة التنافس، ويزيد من احتمالات الصراعات على النفوذ والموارد.
اقتصادياً، تتكسر سلاسل الإمداد التقليدية، وتتجه الدول نحو تنويع شركائها التجاريين والاستثماريين. لم تعد العولمة أحادية الاتجاه، بل أصبحت متعددة المسارات، حيث تبرز تكتلات اقتصادية جديدة، وتتزايد أهمية الأسواق الناشئة. هذا التغير يتيح فرصاً غير مسبوقة للنمو والتنمية للدول التي تستطيع التكيف مع هذه الديناميكية الجديدة، ولكنه أيضاً يفرض تحديات كبيرة على الدول التي تعتمد على نموذج اقتصادي واحد أو شريك تجاري مهيمن. أما اجتماعياً، فإن تعدد الأقطاب يعكس ويغذي في الوقت ذاته تنوعاً ثقافياً وفكرياً أوسع. تتفاعل الحضارات بشكل أكثر كثافة، وتتلاقى الأفكار، وتتحدى المفاهيم السائدة. هذا التفاعل قد يثري المجتمعات ويفتح آفاقاً جديدة للتفاهم المشترك، ولكنه قد يؤدي أيضاً إلى صراعات هوياتية وتوترات ثقافية إذا لم تُدر هذه التفاعلات بحكمة وتبصر.
في قلب هذا التحول العالمي، تجد المنطقة العربية نفسها في مفترق طرق حاسم. لطالما كانت المنطقة ساحة لتنافس القوى الكبرى، ومرتعاً للتدخلات الخارجية. ومع تعدد الأقطاب، قد تتضاءل هيمنة قوة واحدة، مما يفتح المجال أمام المنطقة لتنويع علاقاتها الدولية، والتحرر من التبعية، وبناء شراكات استراتيجية مع قوى صاعدة. هذه فرصة ذهبية للدول العربية لتعزيز سيادتها، وتفعيل دورها على الساحة الدولية، والمساهمة بفاعلية في صياغة مستقبل العالم. ولكن في المقابل، فإن هذا التعدد قد يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي، ويشجع على ظهور تحالفات متغيرة، ويزيد من حدة التنافس الإقليمي على النفوذ، مما قد يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار والصراعات بالوكالة.
وفي خضم هذه التحولات، يبرز السودان كنموذج للمنطقة التي يمكن أن تجد في تعدد الأقطاب فرصة للخروج من أزماتها. فبعد سنوات من التحديات الداخلية، يجد السودان نفسه أمام إمكانية إعادة تشكيل علاقاته الدولية بعيداً عن الاستقطاب التقليدي. يمكنه الانفتاح على قوى عالمية وإقليمية متنوعة، مما يتيح له تنويع مصادر الدعم الاقتصادي والسياسي، وكسر حلقات التبعية. إن القدرة على التفاوض مع أطراف متعددة، كلٌ بمصالحه ورؤاه، قد تمنح السودان مساحة أكبر للمناورة، وتساعده على بناء دولة قوية ومستقرة، تستفيد من التنافس الإيجابي بين القوى بدلاً من أن تكون ساحة لصراعاتها. هذا يتطلب رؤية استراتيجية واضحة، ودبلوماسية نشطة، وقدرة على الموازنة بين المصالح المتضاربة، لتحويل التحديات الراهنة إلى جسر نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
إن مستقبل المنطقة العربية ككل في ظل هذا العالم المتعدد الأقطاب يعتمد بشكل كبير على قدرتها على التكيف، وعلى رؤيتها الاستراتيجية. هل ستتمكن من استغلال الفرص التي يتيحها هذا التعدد لتعزيز وحدتها وتنميتها؟ أم ستظل أسيرة للتنافسات الداخلية والخارجية؟ إن الإجابة تكمن في أيدي قادتها وشعوبها، وفي قدرتهم على صياغة رؤية مشتركة لمستقبل مزدهر ومستقر، يستفيد من تنوع القوى العالمية بدلاً من أن يكون ضحية لها. إنها دعوة للتفكير العميق، والعمل الجاد، والدبلوماسية الحكيمة، لترسم المنطقة العربية لنفسها مكاناً لائقاً في هذا الفجر الجديد للعوالم المتعددة.
