منصة السودان الاخبارية
معك في كل مكان

مُسيّرات السودان: هل نُحلق نحو المستقبل بأجنحة أكاديمية؟

متابعة - منصة السودان

م.صلاح غريبة
في خطوة وُصفت بأنها “قفزة خارج الصندوق” في توقيت استثنائي، أعلنت جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا عن إجازة مجلس أساتذتها لمنهج بكالوريوس هندسة الطيران تخصص الطائرات المسيرة (الدرونز). هذا الإعلان لا يمثل مجرد إضافة تخصص أكاديمي جديد للائحة الجامعة، بل هو إدراك مبكر لمتطلبات العصر، ووضع للسودان على خارطة تكنولوجيا المستقبل في المنطقة.

لطالما ارتبط اسم “الدرونز” في الأذهان بالصراعات العسكرية، لكن الحقيقة التقنية تقول إننا أمام ثورة صناعية رابعة تغير وجه الحياة المدنية. فإجازة هذا التخصص كأول برنامج من نوعه في الجامعات السودانية تعني أن الأكاديمية السودانية قررت أخيراً التوقف عن “استيراد الحلول” والبدء في “صناعة العقول” القادرة على تصميم، صيانة، وتطوير هذه الأنظمة.
يمثل هذا التخصص أهمية قصوى للسودان الآن، للاستفادة منه في القطاع الزراعي، فالسودان بلد زراعي بامتياز، و الدرونز هي الأداة السحرية القادمة لمسح التربة، رش المبيدات بدقة متناهية، ومراقبة المحاصيل في مساحات شاسعة وبأقل تكلفة، والاحتياج له في البنية التحتية والنفط لمراقبة خطوط الأنابيب، أبراج الكهرباء، والجسور في مناطق جغرافية وعرة تصبح مهمة سهلة وآمنة بوجود مهندسين متخصصين في هذه التقنية، بالاضافة إلى الاستجابة للأزمات، ففي بلد يعاني من الكوارث الطبيعية كالفيضانات، تصبح المسيرات وسيلة لإنقاذ الأرواح وتوصيل المساعدات الطبية للمناطق المعزولة.
رغم التفاؤل الكبير بهذا القرار، إلا أن نجاح هذا التخصص يعتمد على بيئة تعليمية لا تكتفي السبورة والكتاب. هندسة الطائرات المسيرة هي علم “تطبيقي” في المقام الأول، تتداخل فيه علوم الميكانيكا، الإلكترونيات، البرمجة، والاتصالات. لذا، فإن الخطوة القادمة لجامعة السودان يجب أن تتركز في الشراكات الدولية والانفتاح على المعاهد التقنية العالمية لنقل الخبرات، بجانب توفير بيئة المختبرات المتقدمة لتصنيع النماذج الأولية (Prototyping) واختبارها، والتعاون مع سلطة الطيران المدني لوضع أطر تشريعية قانونية تسمح للطلاب بالتجريب والابتكار في أجواء آمنة ومقننة.
أن نرى جامعة سودانية تتجه نحو “تخصصات المستقبل” في ظل الظروف الراهنة هو رسالة صمود وأمل. إنها دعوة للشباب السوداني بأن يغادروا مربع التخصصات التقليدية المشبعة، ويتجهون نحو علوم ستكون هي المحرك الأساسي للاقتصاد العالمي في العقد القادم.
إن قرار جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا هو خطوة شجاعة في الاتجاه الصحيح. فالسودان لا يحتاج فقط إلى طيارين، بل يحتاج إلى “عقول” تبني الطائرات وتبرمجها لتخدم التنمية. إنها البداية الحقيقية لتمكين الكفاءات الوطنية من امتلاك ناصية تكنولوجيا لم تعد ترفاً، بل ضرورة بقاء وازدهار.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.