منصة السودان الاخبارية
معك في كل مكان

خالدة عبدالغني.. قصة سودانية حوّلت تربية النحل إلى مشروع متكامل

متابعة - منصة السودان

متابعة – منصة السودان –

في بساتين وحدائق الولاية الشمالية، تتحرك نحلات المهندسة خالدة عبدالغني بين ألوان الأزهار الممتدة على ضفاف النيل، تجمع رحيقها بهدوء ودقة. وبالشغف نفسه، تتابع صاحبة مشروع «صن دربز – Sun Drops» خلايا النحل، وتشرف على رعاية الملكات داخل الصناديق الخشبية التي تختزن ما تسميه «قطرات الشمس» من العسل الطبيعي.
تقول خالدة عبدالغني في حديثها لـ«الترا سودان» إن وفرة المراعي الطبيعية في دنقلا، إلى جانب زيادة الطلب على العسل بسبب انقطاع الإمدادات القادمة من غرب السودان وارتفاع أسعاره، كانت الدافع الأساسي لإطلاق المشروع.
جاء مشروع Sun Drops بوصفه استجابة مبتكرة في زمن قيّدت فيه الحرب خيال الناس، ومحاولة لصناعة معنى للاستمرار وسط ظروف قاسية دفعت ملايين السودانيين إلى حافة النجاة منذ نيسان/أبريل 2023. خالدة، الحاصلة على بكالوريوس في علوم وتكنولوجيا الأغذية وماجستير في ضبط الجودة، رأت في تربية النحل مساحة لتحويل المعرفة الأكاديمية إلى مشروع منتج وحياة مهنية، رغم تعقيدات الواقع.
الولاية الشمالية
قبل اندلاع الحرب، كانت صاحبة المشروع تقيم في الخرطوم، ووصلت إلى الولاية الشمالية وهي تواجه تساؤلين أساسيين: كيف تؤمّن مصدر دخل مستقر، وكيف تستثمر خبرتها في بيئة تفتقر إلى أساسيات الإنتاج. وتوضح خالدة لـ«الترا سودان» أن توفر المراعي الطبيعية في دنقلا، إلى جانب تصاعد الطلب على العسل بعد توقف الإمدادات من غرب البلاد وارتفاع الأسعار، شكّل الشرارة الأولى لانطلاقة المشروع.
مناحل صن دربز
لم تكن الرحلة من الفكرة إلى تنفيذ المشروع سهلة. فقد واجهت خالدة تحديًا مبكرًا تمثّل في نقل خلايا النحل، إذ يجب أن تتم عملية الترحيل مساءً حفاظًا على سلامة النحل، بينما فرض حظر التجوال آنذاك تعقيدات لوجستية كبيرة. احتاج الأمر إلى تخطيط دقيق وابتكار حلول بديلة، في نموذج يبيّن كيف تتسلل الحرب حتى إلى التفاصيل الصغيرة للإنتاج الزراعي.
إنتاج العسل
ورغم الصعوبات، استمر المشروع في التقدم. توضح خالدة أن «صن دربز» تنتج حاليًا العسل وشمع العسل محليًا، بينما تم تأجيل إنتاج غذاء الملكات إلى مرحلة لاحقة تتطلب مدخلات إضافية ووقتًا أطول. ويتم تسويق المنتجات عبر مركز تجاري داخل دنقلا، إلى جانب الصفحات الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، مع تطلعات للتوسع داخل السودان وخارجه متى ما تهيأت الظروف.
وتشير خالدة إلى أن «صن دربز» عملت مع عدد من الشركاء على إنشاء مناحل بأحجام مختلفة، تتراوح بين الاستهلاك المنزلي والإنتاج التجاري.
غير أن قيمة المشروع لا تتوقف عند الجانب الاقتصادي فقط. فالنحل، كما تؤكد خالدة، يعد عنصرًا أساسيًا في التوازن البيئي؛ إذ يتجاوز دوره تلقيح النباتات ليُسهم في رفع الإنتاج الزراعي إلى ثلاثة أضعاف المعدلات الطبيعية، إلى جانب تقليل الآفات بطرق طبيعية. وتستشهد بتجربة داخل البيوت المحمية، حيث عانى المزارعون من تشوه ثمار الخيار، قبل أن تُحل المشكلة بإدخال خلايا النحل لتحسين التلقيح دون أي تدخل كيميائي.
بُعد إنساني
يبرز الجانب الإنساني للمشروع من خلال برامج التدريب. إذ توضح خالدة أن «صن دربز» تعاونت مع عدد من الشركاء لإنشاء مناحل بمستويات مختلفة، من الاستخدام الشخصي إلى الإنتاج التجاري. وتم تدريب 75 شخصًا، بينهم 35 امرأة، مع توفير معدات المناحل لبعض المتدربين. كما حصلت إحدى المشاركات على المعدات كاملة، في خطوة هدفت إلى تمكينها اقتصاديًا وبناء مصدر دخل مستقل.
تسعى خالدة إلى توسيع نشاط المناحل في شمال السودان، مع مراعاة التكامل بين إنتاج العسل والبيئة الزراعية المحيطة، حيث يؤدي تنقل النحل بين الأزهار دورًا محوريًا في إتمام عمليات التلقيح. واليوم، من ضفاف النيل ونخيله العريق، إلى بساتين الموالح وسواقي المنقة، يواصل نحل «صن دربز» حضوره كشريك صامت في إنتاج ثمار ظل السودانيون يتغنون بها، حتى في أقسى أزمنة الحرب.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.