مقال – محمد سنهوري الفكي الامين –
في عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية وتتنافس الأمم على ريادة المستقبل، برز نموذج جديد يحمل بذور النهضة الحقيقية. إنه الاقتصاد الإبداعي، الذي لا يعتمد على استخراج الثروات الطبيعية أو تشغيل المصانع الضخمة، بل يجعل من الإبداع البشري والثقافة والفنون محوره الأساسي. وفي هذا النموذج، تكمن فرصة ذهبية للسودان لتحقيق نقلة حضارية حقيقية.
الاقتصاد الإبداعي يقوم على استثمار الطاقات الإبداعية والثقافية كمصدر أساسي للقيمة المضافة والنمو. في هذا النموذج تصبح الأفكار والمعرفة والإبداع رأس المال الحقيقي، وتتحول الثقافة من مجرد تراث يُحفظ إلى صناعة حيوية تولد فرص العمل وتدر الأرباح وتعزز الهوية الوطنية.
التجارب الدولية أثبتت أن هذا المسار ليس مجرد حلم، بل واقع تدعمه الإحصاءات. فوفقاً لتقرير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية لعام 2024، يساهم الاقتصاد الإبداعي بنسبة تتراوح بين 0.5% إلى 7.3% من الناتج المحلي الإجمالي في 36 دولة نامية، ويوظف ما بين 0.5% إلى 12.5% من القوى العاملة. وعلى المستوى العالمي، تشير تقديرات اليونسكو إلى أن القطاع الثقافي والإبداعي يمثل 6.1% من الاقتصاد العالمي بقيمة 4.3 تريليون دولار سنوياً. وفي الولايات المتحدة وحدها، ساهمت الأنشطة الفنية والثقافية بنسبة 4.2% من الناتج المحلي في عام 2023، بقيمة بلغت 1.17 تريليون دولار، وهو معدل نمو يفوق ضعف معدل نمو الاقتصاد الأمريكي العام. أما ولاية كاليفورنيا فتُعد مثالًا ساطعًا، إذ يوظف قطاعها الإبداعي أكثر من 5.2 مليون شخص ويساهم بأكثر من 1.1 تريليون دولار في القيمة المضافة.
كوريا الجنوبية خير دليل على قوة هذا النموذج؛ فقد تحولت من دولة فقيرة في الستينيات إلى قوة عالمية من خلال الاستثمار في الثقافة والإبداع. موجة “الهاليو” الكورية في الموسيقى والأفلام والمسلسلات والألعاب الإلكترونية حققت مليارات الدولارات ورفعت مكانة كوريا عالميًا. أيرلندا بدورها حوّلت تراثها الثقافي إلى مشروع اقتصادي من خلال “الطريق الأطلسي البري”، فيما صنعت الهند من “بوليوود” منظومة اقتصادية متكاملة توظف ملايين الأشخاص وتصدر محتواها الثقافي إلى كل القارات.