مقال – مصطفى كامل –
في ليالي الفرح والانتصار، تبرز أسماء صنعوا خلف الكواليس ملامح البطولات. وبين تلك الأسماء، يسطع اسم أسامة عطا المنان، الرجل الذي تحمّل الإساءة والمؤامرات والدسائس، وبقي ثابتاً على موقفه حتى صارت دموعه لحظة الانتصار رمزاً لصبرٍ طويل ورسالة وطنية سامية.
منذ الأسبوع الأول لاندلاع الحرب، لم يتردد في قيادة المنتخب الوطني وسط ظروف عصيبة، تحت أصوات الرصاص والمدافع، وهو يعلم أن الرياضة ليست ترفاً، بل رسالة بقاء وصمود. خرج باللاعبين من قلب الخطر، ومعهم معاناة كبيرة، في وقتٍ كان فيه كثيرون يرفضون الفكرة جملةً وتفصيلاً.
لم يسلم من النقد؛ وُجّهت له الشتائم، وعارضه بعض أعضاء مجلس إدارة الاتحاد السوداني لكرة القدم رفضاً قاطعاً لمشاركة المنتخب، حتى الإعلام الرياضي ــ الذي كان يفترض أن يدعم الخطوة ــ لم يقف إلى جانبه. بل وصل الأمر إلى أن بعض الشخصيات النافذة قالت عبارتها الشهيرة: “أنت في شنو والحسّاسنية في شنو؟ الناس بتموت وأنت مشغول بالمنتخب”. وصفوه بالقاسي وبأن قلبه “ميت” ولا يهمه ما يحدث في البلد، لكن الرجل كان يرى أبعد مما يرونه؛ كان يدرك أن غياب المنتخب عن الساحة سيعيدنا إلى زمن الرياضة الجماهيرية، حيث غابت راية السودان عن المحافل.
واليوم، وبعد أن أثبتت النتائج صواب رؤيته، نرى كيف انقلب المشهد؛ حتى بعض من عارضوه بالأمس ذرفوا دموع الفرح بانتصارات المنتخب، مدهوشين من حجم الإنجاز. دموع المعارضة نفسها باتت شاهدة على أن موقف أسامة عطا المنان لم يكن عناداً، بل إيماناً برسالة أكبر.
المزيد من المشاركات
لقد جعل من المنتخب سفارة سودانية متحركة، تنقل للعالم كله أن الشعب السوداني لا يُقهر ولا يعرف الاستسلام. مواقع وصحف عالمية وقفت مدهوشة وهي تكتب عن إنجازات منتخب يلعب في قلب الحرب، وكيف استطاع أن يبعث برسالة أمل وسط الظلام. الإعلام الدولي تغزّل بالمنتخب، ورأى فيه مثالاً للإرادة والصمود.
وجزء من هذا الإنجاز يعود لحسن اختياره للمدرب كواسي أبياه، لأنه يعرف أنه بحاجة إلى قائد ملهم، يعشق التحديات، ويؤمن بالرسالة ذاتها. فكانت النتيجة أن أصبح المنتخب رقماً صعباً في كل المنافسات، وصار اسم السودان يتردد في المحافل الرياضية بفضل عزيمة اللاعبين وإصرار الرجل الذي آمن بهم.
اليوم، والكل يفرح بالانتصارات، علينا أن نكون شجعاناً ونقول كلمة حق: الاعتذار واجب لهذا الرجل الإنسان الصبور. فأسامة عطا المنان لم يدافع عن نفسه، بل عن وطنٍ أراد أن يبقى اسمه حاضراً، ورايته مرفوعة.
إن دموعه الغالية التي ذرفها في لحظة الانتصار، لم تكن دموع فرد، بل دموع وطن بأكمله، وطن يؤمن أن الرياضة يمكن أن تكون صوتاً للحرية ورسالة للصمود.
أسامة عطا المنان.. التاريخ سيذكرك رجلاً وقف في وجه العاصفة، وجعل من كرة القدم السودانية ملحمة خالدة في زمن الحرب.