في الذكرى الأولى لسقوط مدينة الفاشر، لا تزال المأساة الإنسانية التي عاشها سكان المدينة حاضرة في ذاكرة أبنائها، فيما يتمسك آلاف النازحين بأمل العودة إلى ديارهم واستعادة الأمن والاستقرار، بعد أشهر طويلة من الحصار والمعارك والانتهاكات التي طالت المدنيين والمرافق الصحية ودور العبادة.
في معسكر العفاض للنازحين بمنطقة الدبة، لم يكن المواطن محمد آدم حامد يعلم أن السادس والعشرين من أكتوبر يصادف الذكرى الأولى لسقوط الفاشر، إذ ينشغل، مثل آلاف النازحين، بانتظار اليوم الذي تتمكن فيه القوات المسلحة والقوة المشتركة والقوات المساندة من الوصول إلى دارفور واستعادة المدينة، بما يتيح للنازحين العودة إلى مناطقهم.
وقال حامد، في حديثه لوكالة السودان للأنباء «سونا»، مشيداً بصمود الفرقة السادسة مشاة والقوة المشتركة خلال المعارك: «نحن لا نعد الأيام، نحن ننتظر يوم العودة».
عام على السقوط.. جرح لم يندمل
تحل الذكرى الأولى لسقوط الفاشر وسط مشاهد إنسانية قاسية خلّفها حصار استمر لأكثر من 500 يوم، وفق ما أورده التقرير، وأدى إلى تدهور الأوضاع المعيشية والصحية، مع تفاقم صعوبات الحصول على الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.
وبحسب إفادات مسؤولين محليين وعسكريين، خاضت القوات المدافعة عن المدينة أكثر من 280 معركة وهجوماً قبل سقوطها، في وقت تدهورت فيه الأوضاع الإنسانية بصورة متسارعة، نتيجة الحصار والقصف واستهداف مصادر الإمداد والمرافق الحيوية.
وتتهم السلطات المحلية قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات واسعة في الفاشر والمناطق المحيطة بها، شملت القتل والتهجير القسري واستهداف المنشآت المدنية والصحية، وهي اتهامات تستدعي التحقيق والتوثيق والمساءلة وفقاً للقانون الدولي.
والي شمال دارفور: الحصار والتجويع وراء سقوط المدينة
وأكد والي ولاية شمال دارفور، الحافظ بخيت محمد، أن سقوط الفاشر لم يكن نتيجة الهزيمة في ميادين القتال، وإنما جاء بعد حصار طويل صاحبه التجويع والقصف الممنهج.
وأوضح الوالي، في تصريحات لوكالة السودان للأنباء، أن القوات المدافعة عن المدينة تصدت لأكثر من 280 هجوماً، مشيراً إلى أن الحصار المفروض منذ السادس من مايو 2024 أدى إلى منع وصول الغذاء والدواء، إلى جانب استهداف محطتي المياه في شقرة وقولو.
وكشف أن الحصيلة الأولية للشهداء، وفق تقديرات السلطات المحلية، لا تقل عن خمسة آلاف شهيد.
واتهم الوالي قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات جسيمة في معسكر زمزم، شملت حرق الجثث، والاعتداء على معسكري السلام وأبو شوك، وتهجير سكان 54 قرية، فضلاً عن تحويل مستشفى الأطفال وبورصة الفاشر إلى أماكن للاحتجاز، ونقل آلاف الأشخاص إلى سجن دقريس بمدينة نيالا.
وجدد الحافظ بخيت تأكيده أن تحرير الفاشر يمثل أولوية، معرباً عن أمله في أن تشهد المرحلة المقبلة عودة الأمن والاستقرار إلى الولاية.
دور العبادة تحت الاستهداف
وفي سياق الانتهاكات التي طالت المؤسسات الدينية، كشف مدير هيئة الأوقاف بولاية شمال دارفور، آدم زكريا محمد، عن تعرض 24 مسجداً للتدنيس، ومقتل تسعة من الأئمة والدعاة، فضلاً عن تصفية أربعة مؤذنين واعتقال اثنين، وفق إفادته.
وأشار إلى أن من بين الضحايا عميد كلية القرآن الكريم، الدكتور الصادق أحمد عبد الله، الذي قال إنه اغتيل مع شقيقه وعشرة مصلين داخل مسجد خاتم الأنبياء.
كما أشار إلى قصف مسجد الصافية بطائرة مسيّرة، ما أدى، بحسب إفادته، إلى استشهاد أكثر من 75 مصلياً.
وتعكس هذه الوقائع، إذا ثبتت، حجم الأضرار التي لحقت بدور العبادة والمجتمعات المحلية، وتثير تساؤلات بشأن حماية المدنيين والأعيان المدنية أثناء النزاعات المسلحة.
القطاع الصحي.. مستشفيات خارج الخدمة وخسائر في الأرواح
من جانبه، قال المدير العام لوزارة الصحة بولاية شمال دارفور، الدكتور معتصم إبراهيم يحيى، إن القطاع الصحي تكبد خسائر بشرية ومادية كبيرة جراء المعارك والانتهاكات التي شهدتها المدينة.
وأوضح أن الوزارة فقدت 60 من كوادرها شهداء، فيما أصيب أكثر من 120 آخرين، مشيراً إلى خروج مستشفى الفاشر التعليمي ومستشفى الأطفال ومراكز علاج أمراض الكلى والسكري والأورام عن الخدمة.
وأضاف أن المستشفى السعودي كان من آخر المنشآت الصحية التي توقفت عن العمل، متهماً قوات الدعم السريع بتصفية مرضى داخله، إلى جانب تصفية كوادر طبية بمستشفى منظمة «ريليف» في معسكر زمزم يوم اجتياح المنطقة.
ويفاقم تعطل هذه المؤسسات معاناة السكان، في ظل تراجع فرص الحصول على العلاج والرعاية الطبية، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال ومرضى الأمراض المزمنة والجرحى.
القوة المشتركة: انتهاكات تستوجب المساءلة
ووصف الناطق الرسمي باسم القوة المشتركة، الرائد متوكل علي وكيل «أبوجا»، الانتهاكات التي شهدتها الفاشر بأنها ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وأوضح أن الحصيلة النهائية للضحايا لم تُحصر بصورة دقيقة حتى الآن، مشيراً إلى أن تقارير أممية تحدثت عن سقوط آلاف القتلى، مع احتمال أن تكون الأعداد الفعلية أعلى من الأرقام المعلنة.
وحدد ستة أنماط رئيسية من الانتهاكات، شملت الحصار والتجويع والقصف، والاستهداف الممنهج للمستشفيات ودور العبادة، والإعدامات، والتهجير القسري.
وتبرز هذه الاتهامات الحاجة إلى توثيق مستقل للوقائع، وتحديد المسؤوليات، وضمان عدم إفلات المتورطين في الانتهاكات من المساءلة القانونية.
الأحمر لوناً للذاكرة.. وسم يتصدر منصات التواصل
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، اتخذ إحياء الذكرى الأولى لسقوط الفاشر طابعاً رمزياً، مع تصدر وسم باللون الأحمر، استخدمه ناشطون لتوثيق ما قالوا إنها جرائم حرب، ونشر أسماء الضحايا وصور الدمار، والمطالبة بالعدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وقال الطالب محمد عثمان، في حديثه لوكالة السودان للأنباء، إنه غيّر أيقونة هاتفه إلى اللون الأحمر تخليداً لذكرى شهداء الفاشر، موضحاً أن الخطوة تمثل تعبيراً رمزياً عن رفض النسيان والتأكيد على بقاء المدينة حاضرة في وجدان أبنائها.
الفاشر.. مدينة تنتظر العودة
وبعد مرور عام على سقوطها، لا تزال الفاشر حاضرة في أحاديث النازحين وذاكرة الأسر التي فرقتها الحرب، فيما تتواصل معاناة آلاف المواطنين الذين ينتظرون فرصة العودة إلى منازلهم واستعادة حياتهم الطبيعية.
وبين شهادات الناجين وإفادات المسؤولين والمطالبات بالمساءلة، تبقى الأولوية لحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وتوثيق الانتهاكات، والعمل على تهيئة الظروف اللازمة لعودة النازحين بصورة آمنة وطوعية وكريمة.
فبالنسبة إلى أبناء الفاشر الذين اقتلعتهم الحرب من ديارهم، لم تعد الذكرى مجرد تاريخ في التقويم، بل محطة لاستحضار المفقودين والضحايا، وتجديد الأمل في يوم تنتهي فيه المعاناة وتعود فيه المدينة إلى الحياة.