متابعة _ منصة السودان _
لم يكن الشاب السنغالي عبدو نغوم يعلم أن العناق الذي تلقاه من متطوعة إسبانية على أحد الشواطئ عام 2021، سيجعل صورته تجوب العالم وتتحول إلى رمز للإنسانية والتعاطف، ولا أن رحلته الشاقة بحثًا عن حياة أفضل ستنتهي بعد سنوات بمأساة جديدة، بعيدًا عن أسرته ووطنه.
بدأت القصة عندما قرر عبدو خوض واحدة من أخطر رحلات الهجرة، سباحةً من السواحل المغربية نحو الأراضي الإسبانية، حاملًا أحلامًا بسيطة بمستقبل أفضل له ولأسرته في السنغال.
لكن الرحلة التي كان يأمل أن تقوده إلى حياة جديدة، تحولت إلى كابوس بعدما فقد شقيقه وسط أمواج البحر، ليصل إلى الشاطئ الإسباني منهكًا، يحمل في قلبه حزنًا يفوق قدرته على الاحتمال.
وفي لحظة إنسانية مؤثرة، وجد عبدو أمامه المتطوعة الإسبانية لونا رييس، التي مدت ذراعيها نحوه واحتضنته بينما كان يجهش بالبكاء، في مشهد التقطته عدسات المصورين، وسرعان ما انتشر على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
لم يكن ذلك العناق مجرد صورة عابرة، بل أصبح رمزًا لمعاناة آلاف المهاجرين الذين يخاطرون بحياتهم في البحر بحثًا عن الأمان، وللرحمة التي قد يجدها الإنسان لدى شخص غريب في أصعب لحظات حياته.
لكن الصورة التي أبكت العالم لم تكن كافية لتغيير مصير الشاب السنغالي.
فبعد فترة قصيرة من وصوله إلى إسبانيا، أعادته السلطات إلى المغرب، لتبدأ فصول جديدة من المعاناة، بعدما وجد نفسه مجددًا أمام الحلم ذاته والطريق المحفوف بالمخاطر.
ورغم الصدمة التي عاشها بفقدان شقيقه ومرارة الترحيل، لم يتخلَّ عبدو عن حلمه، وواصل محاولاته للوصول إلى أوروبا، حتى تمكن في عام 2024 من بلوغ جزر الكناري الإسبانية، ومنها انتقل لاحقًا إلى مدينة مالقة.
وهناك، بدا أن الحياة بدأت أخيرًا تمنحه فرصة جديدة، إذ حصل على عمل في قطاع البناء، وراح يكافح لتأمين احتياجاته وإرسال الأموال إلى زوجته وابنته الصغيرة اللتين تركهما خلفه في السنغال.
كان عبدو يحلم بحياة مستقرة، وبأن يتمكن يومًا ما من العودة إلى أسرته حاملًا ما يعينها على مواجهة صعوبات الحياة، بعد سنوات من الغياب والمخاطرة والفقد.
غير أن القدر كان يخبئ له نهاية حزينة.
ففي الثالث من يونيو 2025، عُثر على الشاب السنغالي متوفى داخل غرفته بمدينة مالقة الإسبانية، بعدما شعر بوعكة صحية خلال الأيام التي سبقت وفاته، لتنتهي رحلته في الغربة وهو لا يزال في مقتبل العمر.
رحل عبدو وحيدًا، بعيدًا عن زوجته وابنته ووطنه، بعدما نجا من أمواج البحر، وتحمل قسوة الترحيل، وأمضى سنوات يطارد حلمًا بسيطًا بحياة كريمة.
ولم تتوقف مأساة الشاب عند وفاته، إذ اضطر أصدقاؤه إلى إطلاق جهود لجمع التبرعات اللازمة لإعادة جثمانه إلى السنغال، حتى يتمكن أهله من وداعه ودفنه في أرض وطنه.
وهكذا، عادت قصة صاحب العناق الشهير إلى الواجهة، ولكن هذه المرة لم تكن بسبب صورة تحمل الأمل والرحمة، وإنما بسبب نهاية مأساوية لشاب لم يتوقف عن الكفاح من أجل أسرته.
رحل عبدو نغوم وبقيت صورته وهو يبكي بين ذراعي المتطوعة الإسبانية شاهدة على حكاية إنسان عبر البحر بحثًا عن الحياة، لكنه لم يجد الوقت الكافي ليعيش الحلم الذي خاطر بكل شيء من أجله.
وبين صورة العناق عام 2021 وخبر وفاته عام 2025، تختصر قصة عبدو جانبًا من المآسي الإنسانية التي يعيشها المهاجرون، وتطرح تساؤلات مؤلمة عن الثمن الذي يدفعه الباحثون عن مستقبل أفضل.