منصة السودان الاخبارية
معك في كل مكان

يعمل في غسل السيارات ويعيل أسرته.. قصة تفوق الطالب «سعد الدين»

متابعة _ إسماعيل جبريل _

حصد مقطع فيديو انتشر بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي إعجاباً كبيراً، بعدما وثّق قصة عصامية الطالب «سعد الدين صلاح الدين كوكو محمد»، الذي نجح في الجمع بين العمل والدراسة، قبل أن يتوج كفاحه بإحراز نسبة 83% في امتحانات الشهادة السودانية، المساق العلمي رياضيات هندسية، ولعل اللافت أن الطالب الذي احتفت أسرة الجهاز القضائي بتفوقه، لم متفرغاً للتحصيل، فقد ظل يعمل في غسيل سيارات العاملين بالجهاز القضائي، مستعيناً بدخله في إعالة أسرته والإنفاق على دراسته، في نموذج لافت لشاب حمل مسؤولياته مبكراً، ولم يسمح لضيق ذات اليد أن يحول بينه وبين مقعده الجامعي الذي يحلم به.

ظروف ضاغطة

لم يكن طريق الطالب «سعد الدين صلاح الدين كوكو محمد»، إلى نسبة الـ83% مفروشاً بالهدوء والتفرغ للدراسة، فقد كان عليه أن يعمل حتى يوفر احتياجاته ويسهم في إعالة أسرته، ثم يجد بعد ساعات العمل متسعاً للكتاب والتحصيل والاستعداد للامتحانات، خاصة في ظل الظروف الضاغطة التي فرضتها الحرب وتداعياتها القاسية علي الكثير من الأسر السودانية محدودة الدخل، فقد كان سعد الدين يغسل السيارات بيديه، لكنه في الوقت ذاته كان يغسل عن مستقبله غبار الظروف، ويشق طريقه نحو حلم ظل متمسكاً به، فغسيل السيارات التي قد ينظر إليها البعض باعتبارها مهنةً بسيطة، تحوَّلت في تجربة «سعد الدين» إلى وسيلة كريمة لمواجهة الحياة، وإلى جزء من رحلة طويلة نحو التعليم والاعتماد على النفس، فلم يسمح الطالب الشاب لظروفه بأن تختار له مستقبله، ولم ير في العمل عائقاً أمام التعليم، بل جمع بين الاثنين، حتى جاءت النتيجة لتمنح ذلك الكفاح معنىً وبُعداً جديداً.

قصة طويلة

وتقف وراء نسبة ال 83% قصةٌ طويلة من ساعات عمل، ومسؤوليات أسرية، وتعب يومي، وكتب ومذكرات، ومحاولات مستمرة للتوفيق بين ضرورات الحياة ومتطلبات الدراسة، وحين أخبر «سعد الدين» بعض العاملين في الجهاز القضائي بنجاحه، كانت المفاجأة حاضرة في دموع البعض، وفخر البعض الآخر، وفرحة الجميع ليس بالنتيجة وحدها، وإنما بما تمثله من انتصار لشاب عرفوه يعمل بينهم، ويكافح من أجل أسرته، ثم واصل تعليمه حتى حقق نتيجة تستحق الاحتفاء، وقال متحدث باسم العاملين في الجهاز القضائي في حفل تكريم مصغَّر وثَّقه مقطع الفيديو المصور، إن إدارة الجهاز القضائي فوجئت بخبر نجاح «سعد الدين»، قبل أن تتحول المفاجأة إلى فرحة عامة، ويتم تداول قصته بين العاملين في الجهاز، باعتبارها نموذجاً للشاب السوداني المكافح، ويمكن أن يكون قدوةً للشباب في اختيار طريق العمل والاجتهاد والابتعاد عن العطالة والمخدرات.

لفتة إنسانية

والواقع أن تكريم رئاسة الجهاز القضائي للطالب «سعد الدين»، كان بمثابة لفتة إنسانية بارعة وذلك خلال احتفال مبسط أقيم أمام مبنى الجهاز، بحضور عدد من القضاة والمستشارين والعاملين، وقد حمل التكريم أكثر من دلالة، فقد حضر «سعد الدين» ولكنه هذه المرة كان حاضراً لا بوصفه عاملاً في غسيل السيارات، وإنما باعتباره طالباً متفوقاً وشاباً استطاع أن يصنع من ظروفه الصعبة قصة نجاح، وتسلم الطالب شهادة تقديرية ومظروفاً مالياً، بينما التف حوله زملاؤه بالتهاني والفرح لالتقاط صوراً تذكارية، في مشهد اختلطت فيه مشاعر الاعتزاز بالزميل والفرح بنجاحه، وكان بعض العاملين بالجهاز قد رفعوا مذكرة إلى رئيس الجهاز، رئيس المحكمة العليا، بشأن الطالب المتفوق، تقديراً لكفاحه، لتأتي الاستجابة في صورة تكريم حمل رسالة إنسانية تتجاوز «سعد الدين» نفسه، ذلك أن المؤسسة تستطيع أن ترى ما وراء المهنة من طموح وقدرات وأحلام، وقيمة الإنسان لا تحددها وظيفته.

التكريم الحقيقي

وترى الناشطة الاجتماعية وصاحبة المبادرات الإنسانية دكتورة سارة عبد العزيز الزبير أن قصة الطالب «سعد الدين صلاح الدين كوكو محمد»، تستحق أكثر من مجرد الاحتفاء بنتيجة دراسية، مشيدةً بعصاميته وتحمله المسؤولية في سن مبكرة، وقدرته على الجمع بين العمل والدراسة وإعالة أسرته، وثمنت دكتورة سارة في إفادتها للكرامة موقف الجهاز القضائي ولفتته الإنسانية تجاه الطالب، معتبرة أن تكريمه يمثل بادرة مهمة ينبغي البناء عليها، حتى لا ينتهي الاهتمام بقصته بانتهاء الاحتفال، داعيةً إلى ضرورة أن يحظى الطالب «سعد الدين» بتكريم من أعلى مستويات الدولة، تقديراً لتجربته، ولما تمثله من نموذج لشاب سوداني اختار العمل الشريف والتعليم، وتمسك بالأمل رغم صعوبة الظروف، وترى صاحبة المبادرات الإنسانية أن التكريم الأهم ينبغي أن يكون عملياً، بأن يجد الطالب من يسانده في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن انتقاله إلى الجامعة سيضع أمامه احتياجات جديدة قد يصعب عليه الوفاء بها إذا ظل مطالباً في الوقت ذاته بإعالة أسرته، وتطرح دكتورة سارة فكرة أن يتبنى الجهاز القضائي مشروعاً لدعم سعد الدين وأسرته خلال سنوات دراسته الجامعية، بما يسمح له بالتفرغ للتحصيل الأكاديمي دون أن يضطر إلى التخلي عن أسرته أو العودة إلى العمل بصورة تؤثر على دراسته.

خاتمة مهمة

ومهما يكن من أمر.. فإن بعض الشباب لا يحتاجون إلى من يصنع لهم المستقبل، وإنما إلى من يحمي أحلامهم من أن تقتلها أعباء الحاضر، و«سعد الدين»، الذي عرف طريق العمل قبل أن يعرف طريق الجامعة، يستحق أن تكون قصته بداية طريق جديد، طريق لا ينتهي عند شهادة التكريم، وإنما يبدأ منها، ولعلها سانحة لنهمس في أذن رئيس مجلس الوزراء، دكتور كامل إدريس المعروف باهتمامه بالنوابغ والمتفوقين، من أجل تبني دراسة سعد الدين وإعالة أسرته إلى حين تخرجه من الجامعة، فقصة الطالب «سعد الدين» لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها حالة فردية عابرة، وإنما باعتبارها نموذجاً يمكن للدولة والمجتمع أن يحتضناه ويقدماه للشباب بوصفه مثالاً يحتذى على قيمة العمل الشريف، والإصرار على التعليم، وتحمل المسؤولية، ذلك أن الدعم المطلوب هنا ليس صناعة نجاح لم يصنعه «سعد الدين»، وإنما حماية نجاح بدأه بنفسه، وتوفير الظروف، ليتمكَّن من مواصلة الطريق، بثقةٍ ودونما خوف.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.