منصة السودان الاخبارية
معك في كل مكان

الحوار السوداني–السوداني.. إعادة إنتاج للأزمة لا طريقاً للخروج منها….

بقلم : دكتور الصادق خلف الله

في كل مرة يدخل فيها السودان أزمة سياسية كبرى نعود إلى الوصفة ذاتها: الدعوة إلى حوار شامل، وتشكيل اللجان، واختيار المشاركين ثم شهور وربما سنوات من الاجتماعات والخلاف حول من يمثل من ومن يملك الشرعية، وكيف توزع السلطة. وفي تقديري، فإن إعادة طرح «الحوار السوداني–السوداني» اليوم بالطريقة التقليدية ليست الطريق الأقصر لإنقاذ السودان، بل قد تصبح عقبة أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة بعد حرب مدمرة أنهكت البلاد ومؤسساتها ومجتمعها.

إذا استثنينا «تأسيس» والدعم السريع وكذلك المؤتمر الوطني وواجهاته، فإن معظم القوى الأخرى المطروحة للحوار ليست جديدة على بعضها. قوى «صمود»، والأحزاب التقليدية، والحركات المسلحة، والقوى المدنية والشخصيات الوطنية المعروفة، بينها خلافات وتباينات تمتد لعقود. تحاورت هذه القوى، وتحالفت، وانقسمت، ووقعت الاتفاقيات، ثم عادت واختلفت حولها. ولذلك فإن السؤال المنطقي هو: ما الذي سيقوله السودانيون لبعضهم في حوار جديد لم يقولوه خلال عشرات السنين الماضية؟ السودان لا يعاني من قلة الحوار، وإنما من الإفراط فيه دون بناء مؤسسات دولة قادرة على إدارة الاختلاف.

وتاريخنا السياسي شاهد على ذلك اتفاقية أديس أبابا عام 1972 في عهد جعفر نميري أنهت الحرب في الجنوب لسنوات، لكنها انهارت وعادت الحرب وخلال الديمقراطية الثالثة في عهد الصادق المهدي، تعددت المبادرات والمفاوضات بشأن الحرب والسلام وشكل الحكم، لكن الصراع السياسي ظل قائماً حتى انقلاب يونيو 1989.

أما خلال عهد عمر البشير  فقد أصبح السودان ساحة شبه دائمة للحوار والمفاوضات : اتفاقية الخرطوم للسلام عام 1997، واتفاقية السلام الشامل عام 2005، واتفاق أبوجا بشأن دارفور عام 2006، واتفاق شرق السودان في العام نفسه، ووثيقة الدوحة لسلام دارفور عام 2011، ثم الحوار الوطني الذي بدأ عام 2014 وانتهى إلى مخرجات في 2016. تغيرت المنابر والوسطاء والأطراف، لكن أزمة الدولة ظلت قائمة حتى سقوط النظام في أبريل 2019.

وكان يفترض أن تكون مرحلة ما بعد البشير بداية مختلفة، لكننا عدنا إلى المنهج نفسه جاءت الوثيقة الدستورية والشراكة المدنية العسكرية عام 2019، ثم اتفاق جوبا للسلام عام 2020، وبعد تغيير أكتوبر 2021 توالت المبادرات والوساطات، وصولاً إلى الاتفاق الإطاري في ديسمبر 2022 والعملية السياسية التي أعقبته. وبعد كل هذه الحوارات والاتفاقيات، لم يصل السودان إلى انتخابات أو استقرار سياسي، بل انفجرت حرب أبريل 2023.

فلماذا نعيد التجربة ذاتها وننتظر نتيجة مختلفة؟

الأخطر أن الحوار السياسي المفتوح يعيد تلقائياً فتح أبواب التدخل الخارجي تبدأ الاتصالات بهذه الشخصية وذلك الحزب وهذه الحركة، وتظهر المبادرات والعواصم والوسطاء، ويصبح لكل طرف سند أو منبر خارجي. وفي النهاية يتحول ما يسمى بالحوار السوداني–السوداني إلى ساحة جديدة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، بينما يتراجع المواطن السوداني إلى مقعد المتفرج.

كما يجب، في تقديري، إبعاد القوات المسلحة تماماً عن هذا النوع من الحوارات السياسية  الجيش مؤسسة وطنية وظيفتها حماية البلاد وسيادتها وأمنها، وليس التفاوض مع الأحزاب حول من يحكم أو كيفية توزيع السلطة. واحدة من أزمات السودان التاريخية كانت دائماً اختلاط المؤسسة العسكرية بالعملية السياسية. وإذا أردنا بناء سودان جديد، فيجب أن يكون لدينا جيش وطني قوي ومهني، لكنه خارج المنافسة السياسية.

البديل الأكثر واقعية هو تشكيل حكومة تكنوقراط وطنية مستقلة محددة المهام والمدة، لا تقوم على المحاصصة الحزبية. تكون أولوياتها وقف الانهيار، وإعادة مؤسسات الدولة والخدمات، وتحريك الاقتصاد، وإعادة الإعمار، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين، وإعداد البلاد لانتخابات حرة خلال فترة انتقالية واضحة ومحددة.

أما الأحزاب والقوى السياسية فلتنظم نفسها وتطرح برامجها وتستعد للانتخابات. من يعتقد أنه يمثل الشعب السوداني، فليثبت ذلك أمام الشعب، وليس حول طاولة تفاوض. ومن يريد السلطة، فطريقها الطبيعي هو صندوق الاقتراع.

السودان لا يحتاج إلى أن يتفق جميع السياسيين على كل شيء قبل أن تبدأ الدولة في العمل. لا توجد ديمقراطية في العالم تقوم على إجماع الأحزاب؛ الديمقراطية هي في الأصل نظام لإدارة الاختلاف والاحتكام إلى المواطن عندما تختلف القوى السياسية.

لقد جرب السودان الحوارات بما يكفي: من نميري إلى الصادق المهدي، ومن البشير إلى المرحلة الانتقالية بعد 2019. تغيرت الحكومات والوسطاء والعواصم والوثائق، لكن الدائرة بقيت متشابهة: حوار، ثم اتفاق، ثم تقاسم للسلطة، ثم خلاف، ثم أزمة، ثم دعوة إلى حوار جديد.

بعد هذه الحرب يجب أن نمتلك الشجاعة لكسر هذه الدائرة. السودان يحتاج اليوم إلى دولة قبل حاجته إلى حوار جديد: حكومة تكنوقراط مستقلة، جيش مهني بعيد عن السياسة، فترة انتقالية محددة، ثم انتخابات حرة. وبعد عقود من سؤال السياسيين عمّا اتفقوا عليه، حان الوقت لأن يكون السؤال للشعب السوداني نفسه: من تريدون أن يحكم السودان؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.