بقلم : زلال الحسين
في زمنٍ باتَ فيه طلبُ المرأةِ للزواجِ محفوفاً بالحرجِ والاستغراب، خرجت شابةٌ سودانيةٌ عن المألوفِ وقالتها بملءِ الفم: أنا أطلبُ السترَ لنفسي ولصديقاتي، فمن كانَ جادّاً فليتقدم.
بدأتِ القصةُ بمقطعٍ مرئيٍّ نشرتْهُ عبرَ منصاتِ التواصل، دعتْ فيهِ متابعيها إلى ترشيحِ أزواجٍ مناسبينَ لنساءٍ تجاوزنَ الأربعين، كلهنَّ سبقَ لهنَّ الزواج. ولم تمضِ أيامٌ حتى انهالتْ عليها الرسائلُ من كلِّ صوب، فبلغَ عددُها ثلاثةَ آلافٍ ومئتي رسالة. وحينَ وجدتْ نفسَها عاجزةً عن التواصلِ مع الجميع، نبتتْ في ذهنِها فكرةُ إنشاءِ تطبيقٍ إلكترونيٍّ يُعنى بزواجِ من فوقَ الأربعين، يختصرُ المسافاتِ ويجمعُ الجادينَ في مكانٍ واحد.
إنَّ هذهِ المبادرةَ تفتحُ باباً واسعاً للحديثِ عن جرأةِ المرأةِ في طلبِ الزواج. فالمجتمعُ، وإنْ تقبّلَ الأمرَ نظريّاً، لا يزالُ يتعاملُ معهُ عمليّاً بحذرٍ وتحرّج، كأنَّ المبادرةَ حقٌّ خالصٌ للرجلِ دونَ المرأة. والحالُ أنَّ الشرعَ الشريفَ لم يحظرْ على المرأةِ أنْ تعرضَ نفسَها للزواجِ إذا رأتْ في ذلكَ مصلحةً وستراً، وقد فعلتْهُ نساءٌ فضلياتٌ من سلفِ الأمة.
إنَّ النساءَ اللاتي خاطبتْهنَّ صاحبةُ الفكرةِ لسنَ حديثاتِ عهدٍ بالحياة، بل هنَّ ذواتُ تجربةٍ ونضجٍ ومعرفةٍ بما يردن. ومع تناقصِ فرصِ الزواجِ بتقدمِ السنِّ، يصبحُ الانتظارُ السلبيُّ ضرباً من المجازفةِ بالنفس.
لقد تباينتْ ردودُ الأفعالِ بينَ مؤيدٍ رأى في المبادرةِ شجاعةً محمودة، ومعارضٍ استنكرَ الخروجَ على المألوف. غيرَ أنَّ الأرقامَ وحدَها كافيةٌ للدلالةِ على وجودِ حاجةٍ حقيقيةٍ لدى شريحةٍ واسعة.
واليومَ تبحثُ صاحبةُ المشروعِ عن اسمٍ للتطبيق، ففتحتِ البابَ لجمهورِها لاقتراحِ اسمٍ يليقُ به. ولعلَّ الأهمَّ من الاسمِ أنَّ الفكرةَ نفسَها قد كسرتْ حاجزاً نفسيّاً، وأعادتْ إلى الأذهانِ أنَّ طلبَ العفافِ فضيلةٌ لا تُذمُّ، وأنَّ الجرأةَ المحمودةَ أولى خطواتِ التغيير