متابعة – منصة السودان –
لم تكترث عائلة “محمود” وهي تغادر منزلها بضاحية جبرة جنوب الخرطوم بحمل أوراقها الثبوتية؛ فقد كانت تعتقد أن رحلة النزوح الداخلي مجرد “سحابة صيف” سرعان ما ستنجلي مع توقف الحرب، وأن العودة لن تستغرق سوى بضعة أيام أو أسابيع لاستئناف حياتهم في العاصمة.
نحو 1100 يوم، ظلت فيها الطائرات المسيّرة تتصدر الفضاء السوداني، بدلًا من الطيران الناقل للمسافرين من وإلى مطار الخرطوم الدولي، وهي أطول عزلة من نوعها يعيشها السودان عن الملاحة الجوية الدولية من قلب عاصمته.
اليوم، حصلت هذه العائلة بالفعل على أوراق ثبوتية، ولكن في ضاحية عاصمة دولة عربية جارة، حيث تقيم هناك منذ قرابة العامين ونصف العام، بعد أن مكثت ستة أشهر في قرية صغيرة بنواحي الولاية الشمالية. وهناك، حين تبددت آمالها بشأن توقف الحرب، اتخذت القرار الصعب بالسفر إلى احدى دول الجوار.
تعكس هذه الواقعة تحولات الحرب في السودان؛ فبعد أن كان الاعتقاد السائد أنها مجرد اشتباكات محدودة بين الجيش والدعم السريع في العاصمة الخرطوم ستنتهي بعودة الأمور إلى نصابها، صارت المدينة التي كانت تعج بالحياة ويقطنها نحو 10 ملايين شخص، تقف اليوم أطلالًا، تتنازعها الرغبة في العودة والمخاوف من شح الخدمات الأساسية؛ مثل الكهرباء والمياه وشبكات الاتصالات، ناهيك عن أسعار السلع التموينية التي ارتفعت إلى عشرة أضعاف ما كانت عليه قبل ثلاث سنوات.
ثلاث سنوات مرت على الحرب التي اندلعت بين الجيش والدعم السريع، ولا تزال فوهات البنادق مصوبة نحو صدور الجنود المنتشرين في جبهات القتال بكردفان ودارفور والنيل الأزرق. كما لا تزال الخطوط الأمامية في شمال كردفان، على الحدود مع أم درمان، تشهد تحركات كثيفة لمدرعات الجيش وسيارات قتالية، تهدف إلى منع تقدم مليشيا الدعم السريع والوصول مرة أخرى إلى قلب العاصمة.