لم تعد الهجرة غير الشرعية مجرد قوارب متهالكة تعبر البحر المتوسط تحت جنح الظلام، بل تحولت إلى ظاهرة عابرة للحدود تشكل تحدياً أمنياً وسياسياً واقتصادياً لأوروبا بأسرها، وتمثل في ذات الوقت مأساة إنسانية لملايين الشباب الفارين من الحروب والانهيار الاقتصادي وتغير المناخ.
فما الذي يجعل الظاهرة تتصاعد بهذا الشكل؟ ومن يديرها؟ ولماذا ارتفعت أرقامها خلال السنوات الأخيرة بصورة لافتة؟ وما هي الخطط المستقبلية للحد منها؟
للإجابة على هذه التساؤلات التقينا أهل الاختصاص في هذا المجال مع اصطحاب بعض النماذج فإلى مضابط التحقيق..
: مغامرة حقيقية
التقينا (م / ع ) ليحدثنا عن تجربته مع الهجرة غير الشرعية فقال :فكرة الهجرة حلم يراود معظم الشباب وانا واحد منهم قررنا نحن كشباب ان نهاجر ورتبنا أحوالنا وكانت الخطة كالآتي السفر عبر غرب السودان ثم تشاد ثم ليبيا وبعدها البحر ونكون في اروبا الخطة كانت بسيطة وسهلة من حيث الترتيب، بس التنفيذ صعب في أرض الواقع ومع آخر الترتيبات تخلفت من السفر مع الشباب لظروف قاهرة وانطلقوا في رحلة المجهول وانا كنت متابعا لهم خطوة خطوة لحد ماوصلوا ليبيا عبر الصحراء التشادية ومن هناك بدأت المغامرة الحقيقية وهي سماسرة التهريب ودي قصة يشيب لها الرأس لانو انت هنا بتبقى سلعة بتتباع ودي المصيبة الشباب اتواصلوا مع واحد سمسار بتاع تهريب اتفقوا معاهو واستلم منهم جزءا من المبلغ المتفق عليه وسلمهم إلى واحد تاني وده المفروض يتم ليهم الشغل، والشخص التاني ده جابهم محل الإقامة المؤقتة واستلم منهم باقي المبلغ على اساس انهم حيركبو البحر بعد العدد يكتمل وهنا بدأت رحلة الهلاك، الشباب لقوا نفسهم محبوسين في محل ومافي واحد بيطلع أو بتحرك من المكان ده إلا بأمر الريس المسؤول وطبعا شالو منهم التلفونات، وكدا انقطعوا من العالم الخارجي. وبعد كم يوم ظهرت الحقيقة المرة انهم كدا اتباعو لي عصابة من عصابات الاتجار بالبشر وعشان تطلع من هنا عندك مكالمة واحدة لي اهلك، مضمونها انك عشان تطلع من هنا لازم يرسلوا مبلغا معينا وللا تاني ماحايسمعو صوتك، وبالفعل من اصحابي الخمسة في اتنين قدرو يتواصلو مع اهلهم ورسلوا فدية- مبلغ كبير- وفكوهم بعد فترة و بعد عذاب وللأسف البقية حتى الآن اخبارهم مقطوعة ومامعروف مصيرهم حتى الآن نسأل الله ان يكونوا بخير.
نزاعات وحروبات:
وارجع اللواء دكتور أمين اسماعيل مجذوب خبير إدارة الازمات والتفاوض بمركز البحوث والدراسات الاستراتيجية الأسباب إلى ارتفاع معدلات الفقر والعطالة وضيق فرص العمل التي أدت إلى ارتفاع نسب الهجرة غير الشرعية إلى الأزمات والنزاعات والحروبات في دول المنطقة مشيرا إلى أن الهجرات غير الشرعية ليس لها رصد حقيقي للأرقام لأنها تتم بطرق غير قانونية عبر الحدود والبحر.. ولكن بعد ان تصل المجموعات إلى بر الأمان سواء أوروبا الغربية أو مضيق جبل طارق يوضعوا في معسكرات، ومنهم من يتم ارجاعهم إلى مناطقهم لذلك في تقديري الرصد صعب مع تحايل المهربين الذين يأخذون أموالا من الضحايا ثم يتركونهم في الخلا او في عرض البحر وكل ماكان هنالك رصد قبل التحرك، يكون هناك نقص في الأرقام، مشيرا إلى أن ارتفاع معدلات الفقر والعطالة وضيق فرص العمل ورغبة بعض الدول الأوروبية في استقطاب أصحاب المهن النادرة والأيدي العمالة الماهرة لكن لا تتم بصورة قانونية لتقليل الأجور وتعتمد هذه المجموعات على الهجرات غير الشرعية للوصول إلى هذه الدول وأضاف من الأسباب أيضا العنصرية وعدم قبول الآخر والكراهية الموجودة في بعض المجتمعات تدفع اعدادا كبيرة للفرار من بلدانهم إلى أوروبا في محاولة لتحسين أوضاعهم الاجتماعية ثم المادية ثم التعليمية الأمر الذي يتسبب في خفض الأيادي العاملة الماهرة وفقدان الكفأءات ويحدث نزيف للقوى البشرية الموجودة سواء كانت قوى بشرية مدربة مثقفة قوى بشرية في الدفاع عن الاوطان مثل فئة الشباب وقال: تترتب عليها آثار اجتماعية تتمثل في خروج رب الأسرة وخروج الشباب وترك الأمهات والنساء في المجتمعات الفقيرة على أمل اللحاق بهم أو إرسال المصاريف ممايخلق مشكلة اجتماعية وخللا في الممارسات والأخلاق والعادات التي كانت قوية وعظيمة تصبح متفسخة بسبب غياب العائل مشيرا إلى أسباب سالبة في دول الهجرة تتمثل في انتقال أمراض من المهاجرين مما يزيد من الأوبئة والأمراض المعدية أيضا تخفيض الأجور كلما زاد عدد المهاجرين. أما من النواحي الأمنية بعض المهاجرين لا يجدون عملا فيلحأون إلى ارتكاب أعمال البلطجة والعصابات ممايحدث خللا امنيا بجانب انتشار المخدرات والخمور والعمالة العدائية في المجتمعات الجديدة وكل هذه الآثار في دول المهجر اوالدول التي تعتبر قاعدة للهجرة لها آثار على المجتمعات المحلية والدولية.
: صناع القرار
وابتدر العميد ركن دكتور جمال الشهيد – خبير استراتيجي متخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية حديثه قائلا:البدايات كانت من نزوح فردي إلى صناعة منظمة والهجرة غير النظامية بدأت تأخذ طابعاً منظماً منذ تسعينيات القرن الماضي، إلا أن التحول الأكبر حدث بعد عام 2011، مع اندلاع الاضطرابات في المنطقة العربية وانهيار عدد من الدول.
وبلغت الذروة في عام 2015 حين دخل أكثر من 1.3 مليون مهاجر ولاجئ إلى أوروبا خلال عام واحد، في أكبر موجة منذ الحرب العالمية الثانية ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت الهجرة غير الشرعية ملفاً دائماً على طاولة صناع القرار الأوروبيين.
مشيرا إلى أن الأسباب الحقيقية خلف الظاهرة هي الحروب والنزاعات التي طالت كل من سوريا، ليبيا، السودان، الصومال، وأفغانستان… دول تحولت إلى بيئات طاردة للسكان بسبب الصراعات المسلحة وانهيار مؤسسات الدولة.
: الانهيار الاقتصادي
واضاف ان العديد من دول أفريقيا جنوب الصحراء شهدت حالات هجرة حيث تتجاوز نسبة البطالة بين الشباب 35%، بينما ترتفع معدلات التضخم وانخفاض قيمة العملة المحلية، ما يدفع آلاف الشباب إلى البحث عن الخلاص عبر البحر.
: الانفجار السكاني
واشار جمال إلى أن افريقيا هي القارة الأسرع نمواً سكانياً في العالم، حيث يشكل الشباب دون 25 عاماً أكثر من 60% من السكان، في مقابل اقتصاديات عاجزة عن استيعابهم مبينا أن التصحر في منطقة الساحل، والجفاف في القرن الأفريقي، وتراجع الإنتاج الزراعي، كلها عوامل تدفع السكان نحو الهجرة القسرية مشيرا إلى ان و سائل التواصل الاجتماعي عززت صورة أوروبا كفضاء للرفاه والاستقرار، ما خلق فجوة نفسية بين الواقع المحلي والحلم الأوروبي.
: نشاط منظم
مؤكدا ان الهجرة غير الشرعية لم تعد قراراً فردياً فقط، بل أصبحت نشاطاً منظماً تديره شبكات عابرة للحدود وكشف أن الأمم المتحدة تقدر أرباح تهريب المهاجرين عالمياً بأكثر من 6 مليارات دولار سنوياً وتعمل هذه الشبكات عبر وسطاء محليين في القرى والمدن و نقاط تجميع في دول العبور بجانب علاقات مع ميليشيات مسلحة في بعض المناطق وكمثال لذلك مليشيا الدعم السريع ( سابقاً الجنجويد). قوارب تهريب منظمة عبر المتوسط وقال في بعض المسارات، يدفع المهاجر ما بين 3,000 إلى 7,000 دولار للوصول إلى أوروبا، ما يجعل الظاهرة اقتصاداً قائماً بذاته.