دعوة لإعادة ترتيب الأولويات الوطن والحكومة… أيُّهما أولى بالولاء؟
متابعة - منصة السودان
مقال – د.سعاد فقيري –
في خضمّ الأزمات السياسية المتلاحقة، والاضطرابات الاجتماعية المتصاعدة التي يمر بها السودان .
يبدو أن هناك حاجة ماسة لإعادة تعريف المفاهيم، وفهم الأولويات، وتصحيح بوصلة الوعي الجمعي، خاصة لدى من تسكرهم لعنة الكراسي وتضيع بوصلتهم بين ما هو زائل وما هو خالد.
كثيرًا ما نسمع من يخلط بين الوطن والحكومة، بل بين السلطة والهوية الوطنية.
فيُتهم من يعارض حكومة معينة بأنه “ضد الوطن”، ويُخوّن من يطالب بالعدالة أو التغيير، وكأن الولاء للأشخاص أو المناصب أصبح هو مقياس الوطنية!
الوطن هو الأصل:
الوطن ليس حكومةً ولا حزبًا ولا زعيمًا.
الوطن هو الأرض التي حملتنا، والتاريخ الذي صاغ وجداننا، والشعب الذي تشاركنا معه الأحزان والأحلام.
الوطن هو النيل الذي يروي الحقول، وهو المآذن التي تصدح في الصباح، وهو لهجة الأم، وحنين الغربة، وهو الدماء التي سالت دفاعًا عنه، لا من أجل مناصب، بل من أجل الكرامة.
في المقابل، الحكومة كيان إداري، تتشكل من أفراد تُكلَّف بمهام مؤقتة، فإذا أدَّت واجبها فهي مشكورة، وإن أخفقت فالمحاسبة واجبة.
المنصب أمانة، لا غنيمة. والكرسي مسؤولية، لا امتيازًا.
حين تُصبح الكراسي أغلى من الأوطان
ما نراه اليوم في المشهد السوداني يُثير القلق:
ساسة يتصارعون على المناصب بينما الناس تحت القصف والجوع.
نخب تتناحر على النفوذ بينما الوطن يُنهب ويُمزق.
و”ثوّار” يتحوّلون إلى طلاب سلطة، ينسون المبادئ حين تلوح المنافع.
كأن لسان حال البعض يقول: “فليحترق الوطن، المهم أن أحصل على حقيبة وزارية!”
وهذا انحطاط أخلاقي قبل أن يكون خللًا سياسيًا.
دعوة للعقول التي لا ترى إلا الكراسي
إلى كل من ظنّ أن الكرسي هو الغاية:
تذكّر أن من جلسوا على أعظم العروش قد رحلوا، وبعضهم لُعنهم التاريخ.
وتأمّل أن من خدموا شعوبهم بصدق، خُلدت أسماؤهم في وجدان الأوطان، حتى وإن لم يملكوا منصبًا قط.
ليست الوطنية أن تحكم، بل أن تخدم.
ليست البطولة أن تسيطر، بل أن تضحّي.
الوطن لا يحتاج مزيدًا من الحاكمين، بل مزيدًا من المخلصين.
إعادة بناء الوعي الوطني
يجب أن نُرسخ أن الولاء للوطن فوق الولاء للحكومة.
وأن النقد البناء للوضع لا يعني خيانة، بل هو شكل راقٍ من أشكال الغيرة الوطنية.
وأن المناصب وسائل، لا غايات، وإن تحولت إلى غايات صرنا عبيدًا للسلطة.
فلنُعلّم أبناءنا أن الوطن لا يُباع لأجل مقعد، وأن الشرف ليس في الوزارة، بل في الصدق والضمير.
ولنُحاسب كل من يحاول اختطاف الوطن باسم “الشرعية” أو “الثورة” أو “التحرير”، إذا أصبح سلوكه يُهدد وحدة البلاد.
في الختام
الوطن باقٍ، والمناصب زائلة.
ومن لا يرى إلا الكراسي، فقد ضيّع المعنى، وأهدر البوصلة.
فلنُعد الاعتبار للوطن، ولنُحطم أصنام المناصب، قبل أن تلتهم ما تبقى من حلمنا الجماعي.
السودان يستحق أفضل من هذا العبث.
يستحق شعبًا يرفع رايته، لا يركض خلف منصب.
يستحق قادة يرون الوطن أولًا… لا الكرسي أولًا.