منصة السودان الاخبارية
معك في كل مكان

التحرش الجنسي.. الخطر المسكوت عنه

بقلم : رحمة عبدالمنعم

عادةً لا أعلّق على ما يتم تداوله في مواقع التواصل الاجتماعي، ولا أشغل نفسي بملاحقة الترندات التي تظهر وتختفي، غير أن ما استوقفني خلال اليومين الماضيين يستحق الحديث عنه وتسليط الضوء عليه، لما يكشفه من مخاطر أخلاقية واجتماعية تستوجب وقفة جادة من الدولة والمجتمع، خاصة ما يتعلق بالتحرش الجنسي واستغلال صغار السن، في ظل تراجع الرقابة وضعف المحاسبة.

 

فقد ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بتسجيل لمكالمة لرئيس نادي التاج الأمدرماني التجاني علي فضل مع أحد لاعبي الفريق صغار السن طلب منه الحضور لاستكمال إجراءات تسجيله بالنادي، وتضمنت المكالمة حديثاً جنسياً مقززاً وإيحاءات ومحاولات لاستدراج اللاعب.

 

 

ومثل هذه الممارسات البذيئة والدنيئة تكشف جانباً من الخلل الذي أصاب مؤسساتنا الرياضية، وأسهم في تراجع كرة القدم السودانية، حين يتسلل إلى إدارات بعض الأندية والاتحادات ضعاف نفوس يستغلون مواقعهم ونفوذهم وحاجة صغار السن إلى التسجيل والمشاركة، لتحقيق أغراضهم الشخصية على حساب مستقبل لاعبين دخلوا الملاعب يحملون أحلاماً كبيرة وطموحات مشروعة، وقد يخرج بعضهم منها محطماً نفسياً وفاقداً للثقة في المجتمع الذي كان ينتظر منه الرعاية والحماية.

 

والمؤسف أن مثل هذه الممارسات غير الأخلاقية لم تعد مقتصرة على الوسط الرياضي، فمن حين إلى آخر تتداول مواقع التواصل الاجتماعي أخباراً عن معلم تحرش بأحد طلابه، أو إداري رياضي يستغل لاعباً صغيراً، أو أستاذ جامعي يستدرج طالبات، فضلاً عن حوادث الاغتصاب والاعتداء الجنسي على الأطفال.

 

والأخطر من وقوع مثل هذه الجرائم أن يجد الضحايا أنفسهم عاجزين عن الحديث عما تعرضوا له، خوفاً من الفضيحة أو التهديد أو ضياع مستقبلهم الدراسي والرياضي، خاصة عندما يكون المعتدي صاحب سلطة أو نفوذ، يستغل حاجة الضحية وضعفها لفرض رغباته الدنيئة،.

 

وقد تتحول بعض المؤسسات إلى ملاذ آمن للمعتدين حين تتقدم فيها حماية سمعة المسؤول على حماية الضحية، ويصبح التستر على الانتهاكات أخطر من الانتهاكات نفسها، لأنه يمنح مرتكبيها الشعور بالأمان ويشجعهم على تكرار جرائمهم،وهنا تكمن خطورة الصمت المجتمعي الذي يدفع الضحايا إلى تحمل الألم وحدهم، بينما يواصل المعتدون حياتهم وكأن شيئاً لم يحدث.

 

ومن يطالع بعض صفحات مواقع التواصل الاجتماعي يدرك أن مخاطر التحرش والاستغلال الجنسي لم تعد محصورة في المؤسسات والأماكن العامة، بل امتدت إلى الفضاء الإلكتروني، حيث تنشط حسابات وشبكات تستغل هذه المنصات في استدراج الأطفال وصغار السن والابتزاز الجنسي، عبر استغلال براءتهم وقلة خبرتهم، أو إغرائهم بوعود كاذبة، ثم تهديدهم بالفضيحة ونشر صورهم ومحادثاتهم لإجبارهم على الاستجابة لمطالب المعتدين

 

ومثل هذه الجرائم قد تبدأ برسالة او مكالمة وتنتهي بمأساة نفسية واجتماعية تدمر مستقبل الضحية، في ظل ضعف الرقابة الأسرية والخوف من الإبلاغ، الأمر الذي يستوجب مواجهة حاسمة لهذه الشبكات، وعدم ترك الأطفال فريسة لمن يتخفون خلف الشاشات لممارسة أبشع صور الاستغلال والانتهاك.

 

إن أخطر ما يواجه المجتمع في تقديري هو أن تتحول بعض المؤسسات التي يفترض أن تكون مواقع للتربية والتعليم ورعاية المواهب إلى بيئات تسمح باستغلال الضعفاء، وأن يصبح النفوذ الإداري أو الوظيفي وسيلة للضغط على الضحايا، خاصة الأطفال الذين قد يعجزون عن الدفاع عن أنفسهم أو يخشون الإفصاح عما يتعرضون له،ومن هنا تأتي ضرورة كسر حاجز الصمت الذي يحمي المعتدين، ووضع حد لثقافة التستر التي تضيع بسببها حقوق الأبرياء.

 

ولهذا أطالب مولانا وزير العدل الدكتور عبدالله درف بفتح ملف التشريعات المتعلقة بالتحرش والاغتصاب والاعتداءات الجنسية، ومراجعة النصوص ذات الصلة، بما فيها المادة 45 المشار إليها في شأن التحرش، والمادة 148 المتعلقة باللواط، والمادة 149 الخاصة بالاغتصاب، مع مراجعة الصياغات القانونية النافذة والعقوبات المقررة، وإجراء التعديلات اللازمة وفق أحكام الشريعة الإسلامية وضمانات العدالة، وتشديد العقوبات على جرائم التحرش بالأطفال والاغتصاب والاعتداءات المقترنة باستغلال السلطة والنفوذ.

 

كما يجب سن تشريعات وإجراءات رادعة لمواجهة شبكات الاستغلال الجنسي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وملاحقة المتورطين في استدراج القاصرين والابتزاز ونشر المواد الجنسية التي تنطوي على استغلال أو اعتداء، مع تفعيل دور الشرطة والنيابة والجهات المختصة، حتى لا تبقى هذه الجرائم رهينة للضجيج الإعلامي الذي ينتهي دون نتائج ملموسة.

 

وأرى كذلك أن على الاتحادات والأندية والمدارس والجامعات تحمل مسؤولياتها كاملة،،بوضع ضوابط تمنع استغلال الطلاب واللاعبين، وتوفير وسائل آمنة للإبلاغ عن التحرش، وإبعاد كل من تثبت إدانته عن المواقع التي تتيح له استغلال الأطفال وصغار السن،فالمسؤولية لا تقع على أجهزة العدالة وحدها، وإنما تمتد إلى الأسرة والمؤسسات التربوية والدينية والإعلامية، التي ينبغي أن تقوم بدورها في التوعية والحماية وترسيخ القيم الأخلاقية.

 

إن المجتمع السوداني الذي أنهكته الحرب وشردت أبناءه ظروف النزوح واللجوء، لا يحتمل مزيداً من التصدع في بنيته الاجتماعية، ولا يجوز أن نترك أطفاله وشبابه عرضة للاستغلال والانتهاك، بينما تنصرف مؤسساتنا عن أداء واجباتها أو تتستر على المسيئين حفاظاً على سمعة مسؤول أو مؤسسة.

 

إن التحرش الجنسي، خاصة عندما يستهدف الأطفال وصغار السن، خطر لا يجوز السكوت عنه أو التعامل معه باعتباره مجرد فضيحة عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي،والمطلوب اليوم موقف حاسم من الدولة، وقوانين فاعلة، ومحاسبة لا تستثني صاحب منصب أو نفوذ، حتى يدرك كل من تسول له نفسه الاعتداء على الآخرين أن القانون سيطاله وأن حقوق الضحايا لن تضيع بالصمت أو المجاملة.

 

فحماية المجتمع تبدأ من حماية أبنائه، وأي تهاون في مواجهة هذه الجرائم يمنح مرتكبيها فرصة لتكرارها، ويجعل الجميع شركاء في تحمل عواقب الصمت.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.