متابعة _ منصة السودان _
في أمسية ثقافية مميزة احتضنت دار روز اليوسف – قاعة إحسان عبد القدوس، مساء اليوم، ندوة مناقشة كتاب الدكتور عبدالعاطي المناعي «السودان.. الحرب والرماد – شهادتي على زمن الانهيار» بحضور عدد من المثقفين والإعلاميين والمهتمين بالشأن السوداني.
قيمة الكتاب لا تكمن فقط فيما سطره الكاتب بين دفتيه، وإنما في أنه جاء في زمن عز فيه التوثيق، ليقدم شهادة إنسان عاش الأحداث من داخلها، وعاين تفاصيلها بعين الطبيب وقلب الإنسان المحب للسودان وأهله.
وفي شهادته، تناول الدكتور عبدالعاطي بوضوح مسألة من أطلق الرصاصة الأولى وأشعل شرارة الحرب، مؤكدا أن الجيش السوداني لم يكن هو من أطلق الرصاصة الأولى، وهو ما يمنح هذه الشهادة أهمية خاصة في توثيق واحدة من أكثر القضايا جدلا منذ اندلاع الحرب.
وقد جاءت شهادته نابعة من تجربة شخصية عميقة، جعلت الكتاب أقرب إلى وثيقة إنسانية وتاريخية تسجل مشاهدات شاهد عايش الأحداث ولم يكتب عنها من بعيد.
وكانت الندوة استثنائية بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ امتزج فيها التوثيق بالتجربة والمشاعر. وحين استعاد الدكتور عبدالعاطي بعض مشاهداته، كان يتحدث عن أرواح ووجوه وذكريات تركت أثرا عميقا في وجدانه، وبكى وبكينا معه، خاصة عندما تحدث عن وفاة والدته، في لحظة إنسانية كشفت حجم الألم الذي حمله وهو يوثق تجربته.
ولم يكن ذلك البكاء ضعفا، بل كان من أصدق لحظات الندوة؛ فحين يعجز القلم عن حمل الوجع، تتولى الدموع مهمة الكتابة.
لقد كتب الدكتور عبدالعاطي عن السودان لأنه أحبه وأحب شعبه حبا حقيقيا، وعاش بين السودانيين حتى أصبح السودان جزءا من ذاكرته ووجدانه، ولذلك جاءت شهادته محملة بالوفاء والصدق والمشاعر الإنسانية.
لقد نجحت الندوة نجاحا باهرا لأنها لم تكن مجرد مناسبة لمناقشة كتاب، بل كانت مساحة للتوثيق واستعادة الذاكرة، وفتح باب للحديث عن الحرب من زاوية إنسانية وشهادة شخصية.
شكرا للدكتور عبدالعاطي المناعي لا لأنه كتب كتابا فحسب، بل لأنه حفظ لنا شهادة من زمن قاس، ووضعها أمانة أمام التاريخ.
ففي الأزمنة التي يقل فيها التوثيق، تصبح الكلمة مسؤولية، ويصبح الشاهد مؤرخا، ويصبح الكتاب ذاكرة.