متابعة _ منصة السودان _
في تصعيد دبلوماسي وقانوني غير مسبوق، انتقل ملف المعتقلين السودانيين لدى مليشيا الدعـ م السـ ريع من الغرف المغلقة إلى ساحات العدالة الدولية.
فبينما رفعت الحكومة السودانية الملف رسمياً إلى الأمم المتحدة مطالبة بتدخل دولي عاجل، تحرك ضحايا سودانيون في كينيا لتقديم أول شكوى جنائية ضد عناصر من قوات الدعم السريع بتهم ارتكاب جرائم حرب.
هذان المساران المتوازيان يمثلان تحولاً استراتيجياً في التعامل مع الأزمة، يلقيان بحجر كبير في البركة الراكدة، ويلفتان أنظار العالم إلى واحد من أقسى المآسي الإنسانية التي صنعتها مليشيا آل دقلو الإرهابية بحق السودانيين، وتمثل صرخة لوقف الإفلات من العقاب الذي طالما حمى مرتكبي الانتهاكات.
أكثر من 20 ألف معتقل
في خطوة دبلوماسية تعكس خطورة الوضع، صعّدت الحكومة السودانية ملف المعتقلين رسمياً إلى الأمم المتحدة، مطالبة بتدخل دولي فوري للإفراج عن أكثر من 20 ألف محتجز في سجون سرية ومراكز احتجاز تديرها مليشيا الدعـ م السـ ريع في أنحاء متفرقة من دارفور، محتجون دون أي سند قانوني، ودون توجيه تهم رسمية لهم، وفي ظروف وُصفت بأنها “غير إنسانية”.
تضم فئات المعتقلين، بحسب ما ورد في الملف الحكومي، مزيجاً من؛ ناشطين مدنيين ومتطوعين في لجان المقاومة، وموظفين حكوميين سابقين رفضوا التعاون مع قوات الدعم السريع، بالإضافة إلى صحفيين وإعلاميين، ومواطنين عاديين اعتقلوا تعسفياً خلال عمليات مداهمة عشوائية، والأسوأ من كل ذلك أن من بين المعتقلين عدد من النساء والأطفال.
طالبت الحكومة السودانية الأمم المتحدة بأربعة مطالب:
1. تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة لتقصي أوضاع المعتقلين وتوثيق الانتهاكات.
2. الضغط على قوات الدعم السريع للإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين.
3. إرسال مراقبين دوليين إلى دارفور لتوثيق ظروف الاحتجاز.
4. محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات أمام القضاء الدولي.
تحرك حكومي في توقيت محسوب:
يأتي هذا التحرك في توقيت بالغ الحساسية. فمن ناحية، تحقق القوات المسلحة السودانية تقدماً ميدانياً في عدة جبهات، مما يمنح الحكومة ثقة أكبر للتحرك على المسار الدبلوماسي. ومن ناحية أخرى، تسعى الخرطوم إلى استثمار الضغط الدولي المتزايد على المليشيا، خاصة بعد صدور تقارير أممية وحقوقية متعددة توثق انتهاكات جسيمة في دارفور.
ويرى مراقبون أن رفع الملف إلى الأمم المتحدة يحقق عدة أهداف في وقت واحد:
· توثيق الجرائم عبر آلية دولية رسمية، مما يصعّب إنكارها لاحقاً.
· زيادة الضغط على قوات الدعم السريع وداعميها الإقليميين.
· تأكيد شرعية الحكومة باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على مخاطبة المجتمع الدولي باسم الشعب السوداني.
· تمهيد الطريق لملاحقات قانونية دولية مستقبلية.
مسار نيروبي.. الضحايا يقاضون الجلاد
بالتوازي مع التحرك الحكومي، فتح مجموعة من الضحايا السودانيين الذين تمكنوا من الفرار إلى كينيا جبهة قانونية جديدة من خلال تقديم أول شكوى جنائية ضد عناصر من مليشيا الدعـ م السـ ريع أمام القضاء الكيني، بتهم ارتكاب جرائم حرب، ويمثلهم فريق من المحامين الحقوقيين المتخصصين في القانون الدولي..
قُدّمت الشكوى في العاصمة الكينية نيروبي، مستندة إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية الذي يسمح للدول بمحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية بغض النظر عن مكان ارتكاب الجريمة أو جنسية المتهم أو الضحية، طالما أن الجريمة تشكل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني.
ويقول هؤلاء الضحايا إنهم يحملون أدلة موثقة على تعرضهم وأقاربهم لانتهاكات جسيمة.
وتشمل التهم الموجهة في الشكوى اتهامات بارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين، وجرائم ضد الإنسانية تشمل التعذيب والاحتجاز التعسفي، والاختفاء القسري لعشرات الأشخاص، بالإضافة إلى العنف الجنسي ضد نساء وفتيات.
وتأتي أهمية الشكوى من كونها المرة الأولى التي يلجأ فيها ضحايا سودانيون إلى القضاء الكيني بهذه الطريقة، مما يفتح مساراً قانونياً جديداً قد يمتد تأثيره إلى دول أخرى.
لماذا كينيا بالذات؟
اختيار كينيا كساحة للتقاضي لم يكن عشوائياً، بل يستند إلى عدة اعتبارات أهمها أن القانون الكيني يسمح بمحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية، استناداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية.
هذا بجانب الوجود الفعلي للمتهمين هناك، حيث تشير تقارير إلى وجود عناصر من الدعـ م السـ ريع في كينيا، مما يجعل المحاكمة ممكنة عملياً وليست نظرية فقط.
تكامل المسارين
التحرك الحكومي في الأمم المتحدة والشكوى الجنائية في كينيا يمثلان مسارين متوازيين قد يكمل أحدهما الآخر:
فالمسار الدبلوماسي (الأمم المتحدة) يهدف إلى بناء إجماع دولي حول خطورة الانتهاكات، ويوفر غطاءً سياسياً.
أما المسار القضائي (كينيا) فيهدف إلى تحقيق العدالة الفردية ومحاسبة الجناة، ويوفر آلية قانونية ملموسة.
وكلاهما يعزز الآخر؛ حيث يضفي التحرك الأممي شرعية على الشكاوى الفردية، في الوقت الذي قد يشجِّع فيه النجاح القضائي في كينيا دولاً أخرى على فتح تحقيقات مماثلة.
ردود الفعل
بالنسبة لمليشيا الدعـ م السـ ريع، حتى الآن لم تصدر رداً رسمياً على التحرك الحكومي في الأمم المتحدة أو على الشكوى المقدمة في كينيا!.. مع العلم أن قيادة المليشيا ظلت تنكر مراراً وجود معتقلين لديها، وتصف هذه الاتهامات بأنها “حملة تضليل”.
من جهة أخرى رحبت منظمات حقوقية سودانية ودولية بالتحركين. ووصف محامون حقوقيون الشكوى في كينيا بأنها “خطوة تاريخية” نحو كسر دائرة الإفلات من العقاب،بينما دعت منظمة العفو الدولية الدول الأفريقية إلى “التعاون الكامل مع أي تحقيقات قضائية تتعلق بجرائم الحرب في السودان”.
التحديات والعقبات
رغم أهمية هذين التحركين، إلا أنهما يواجهان تحديات جسيمة؛ فعلى على المسار الأممي قد يؤدي الانقسام بين القوى الكبرى إلى عرقلة أي تحرك جاء. هذا بجانب الضغط السياسي الذي قد تتعرض الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، من قبل أطراف إقليمية داعمة للمليشيا. فضلاً عن التعقيدات المتعلقة بصعوبة وصول لجنة تحقيق أممية إلى مناطق سيطرة المليشيا.
أما بالنسبة للمسار القضائي في كينيا؛ فمن أهم الإشكالات والتحديات “حصانة المتهمين” التي قد يدفع بها محامو الدفاع، استناداً إلى أن المتهمين يعتبرون “مقاتلين” في نزاع مسلح. هذا بجانب تحديات، هذا بجانب التحديات المتعلقة بحماية الشهود والضحايا من أي تهديدات انتقامية، وتحديات جمع الأدلة لصعوبة الحصول على أدلة مادية من مناطق النزاع..
إلى جانب ذلك قد تتعرض كينيا لضغوط من دول حليفة للمليشيا لعرقلة المسار القضائي، ولا ننسى أيضاً أن الحكومة الكينية تعتبر حلقة في سلاسل الدعم للمليشيا.
بين دهاليز الأمم المتحدة في نيويورك وقاعات المحاكم في نيروبي، يخوض السودانيون معركة القانون.. فبينما تحسم البنادق مواقع السيطرة اليوم، فإن أحكام القضاء هي التي ستحدد من يوصف بـ “المجرم” ومن يوصف بـ “الضحية” غداً، ومن سيدفع ثمن إعادة الإعمار، ومن سيجلس في قفص الاتهام.
في هذه المعركة، يرفع السودانيون سلاحاً مختلفاً: ملفات موثقة، وشهادات حية، وقوانين دولية. ويبقى السؤال: هل تنتصر العدالة هذه المرة، أم أن الإفلات من العقاب سيبقى هو القاعدة في السودان؟.