منصة السودان الاخبارية
معك في كل مكان

الإِبري وليلة النصف من شعبان في الذاكرة السودانية: طقوس البركة واللَّمّة التي افتقدناها

بقلم :امين الجاك عامر المحامي

قبل نهاية شهر رجب من كل عام،تكون كل الأعمال التحضيرية لصناعة الإِبري (الحلو مُر) – ذلك المشروب المحبب لدى السودانيين – قد اكتملت.ومع مطلع شهر شعبان، تكون مراسيم وطقوس صناعته في معظم البيوت السودانية قد أُنجزت،في مشهد متكرر يحمل عبق العادة وعمق الذاكرة.

ولم تكن صناعة الإِبري مجرد عمل مطبخي عادي، بل كانت مراسيم وطقوسًا اجتماعية متوارثة، تجسد روح الجماعة والبركة والاستعداد للموسم الكبير. وكانت لَمّة العواسة لَمّةً خاصة؛ لَمّة نسوان، تجتمع فيها الأم والبنات والجارات والأهل، وتسودها أجواء من الضحك والحكاوي والدعاء، ويتخللها الغناء الخفيف من دوبيت وترانيم شعرية. وفي هذه اللمّة والحكى وتتعلم البنات فن العواسة ومهارتها، جيلاً بعد جيل.

وبعد اكتمال الإِبري، تتبادل الأسر ما صنعته فيما بينها، فيقال: «ده إبري بيت فلانة»، في تعبير بسيط عن المودة وحسن الجوار. وفي مثل هذه الأيام، كانت رائحة الإِبري تفوح من أغلب البيوت،وتملأ الطرقات والأزقة، ليصبح العصير المفضل الذي يُقدَّم للضيوف بلا تكلّف.

ومع بداية شعبان، تنشط حركة الأسر الممتدة في البحث عن الكراتين من الكانتين، استعدادًا لإرسال الإِبري إلى الأبناء المغتربين،ليصلهم طعم البيت وحنينه عبر المسافات.

وفي اليوم الرابع عشر من شهر شعبان، يُحتفل بليلة النصف من شعبان،وهي ليلة لها حضور اجتماعي وديني في الذاكرة الشعبية السودانية. يكثر فيها الدعاء والاستغفار،وخاصة دعاء طول العمر وحسن الخاتمة، وتُقرأ آيات القرآن في البيوت والمساجد والزوايا.وتقام ختمات جماعية صغيرة تبدأ بعد صلاة العصر وتنتهي قبل المغرب، بينما تحرص بعض الأسر على الصلاة النافلة أو قيام جزء من الليل.ويُوصي الكبار الصغار بقولهم: «الليلة دي ربنا بفتح فيها الأبواب».

وهي ليلة لَمّة عائلية هادئة، يجتمع فيها أهل البيت في جو أقرب إلى السكينة وتصفية النفوس، وتتعالى العبارة المحببة للجميع: «الليلة دي سامحوا بعض». وفيها تتم التوسعة بعد عشاء بسيط لكنه مميز عن المعتاد، بإضافة الحلويات مثل الذلابية، والرز باللبن، والبليلة، وتُوزَّع على الجيران. كما يعمد بعض الناس إلى نحر الذبائح وتقديمها للمساكين توسعةً، وهي عادات اجتماعية راسخة أكثر من كونها طقوسًا دينية خالصة.

عادات جميلة افتقدنا الكثير منها بسبب الحرب والنزوح، وتفرّق الأسر بين البلدان، لكنها ما زالت حاضرة في الوجدان، حية في الذاكرة.

وقبل مغرب هذا اليوم، نسألكم العفو والعافية،ونسأل الله طول العمر، والصحة، والعافية، ولمّ الشمل.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.